فنون الغميضة... لعبة قيس سعيد المفضّلة
في زمنٍ تئن فيه تونس تحت وطأة انقطاعات الكهرباء والماء وموجة حرٍّ قياسية تحوّل البيوت إلى أفران والطرقات إلى متاهات من العتمة، وحده رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، وجد لنفسه متنفساً آخر: لعبة "الغمّيضة" مع شعبه. ليست تلك اللعبة الكلاسيكية المرحة والممتعة. هذا نوع آخر، لا أحد يضحك في نهايته. غمّيضة السلطة المطلقة التي تُمارس في صمت القصور الموصدة، وتُنسج خيوطها في عتمة المستشفيات العسكرية، وتدفع ثمنها قامات سياسية ورموز وطنية أُخفيت قسراً خلف جدران الزنازين، لا يُعرف إن كانوا أحياء أم أمواتا.
وتُترك أسئلتها المرّة لتتخمر في التونسيين التائهين بين الحقيقة والإشاعة: أين الرئيس؟ هل هو مريض؟ هل ما زال يحكم؟ ومن يدير البلاد في هذا الغياب الثقيل كالموت؟ وأين معارضوه الذين زُجوا في السجون؟ ماذا حل بهم؟ لماذا يختفي الرئيس ويُخفى المعارضون في الوقت نفسه؟ كأن تونس كلها دخلت في لعبة واحدة، لا أحد يخرج منها سالما.
في الخامس والعشرين من يوليو/ تموز، يوم عيد الجمهورية التونسية في عامها الـ69، من المفترض أن يطل رئيس الدولة على شعبه ولو بكلمة واحدة، لكنه لم يظهر. لا بيان، لا خطاب، لا صورة، صمت مطبق في ذكرى تأسيس الجمهورية. بدلا من ذلك، اكتفت صفحة الرئاسة على "فيسبوك" بثلاثة أسطر مقتضبة تعلن أن الرئيس أصدر عفواً خاصاً شمل 2439 سجينا، ومتّع 490 آخرين بالسراح الشرطي. هذا هو خطاب عيد الجمهورية: لا رؤية، لا مصارحة، لا وجود، فقط مرسوم عفو ينشر على "فيسبوك"، كأن الرئاسة صارت تدار بتدوينات على مواقع التواصل. وفي اليوم نفسه، بينما كان القصر غارقاً في صمته، كانت شوارع تونس تنبض بالحياة. مسيرة "يزّي من العبث" ( كفى عبثاً) جابت العاصمة، حاملة معها غضب سبع سنوات من الحكم، خمس منها من الحكم الفردي المطلق. ما ميّز هذه المسيرة أنها لم تكن بلون سياسي واحد، بل شملت كل أطياف المجتمع، مواطنين جمعهم حب الوطن والطموح نحو بلد أفضل مما هم فيه الآن، "يزّي من العبث"، هتفوا، بينما كان رئيسهم يلعب الغمّيضة في قصر موصد.
لا بيان، لا خطاب، لا صورة، صمت مطبق في ذكرى تأسيس الجمهورية
منذ العاشر من يوليو/ تموز الجاري، انطوى الرجل على نفسه كأنما ابتلعته الأرض، لا نشاط علني، لا خطاب، ولا حتى صورة روتينية من صفحة الرئاسة على "فيسبوك"، تلك الصفحة التي تحولت فجأة إلى الأيقونة الوحيدة المتبقية للتواصل بين الحاكم والمحكومين. لا يوجد متحدث رسمي باسم الرئاسة، لا بيان، لا مؤتمر صحافي، فقط مدوّن مجهول يمسك بزمام صفحة على منصة تواصل اجتماعي، ينشر أو يحذف وفق مزاج القصر. وفي هذا الفراغ، تحوّلت الإشاعات إلى طيف يطارد كل تونسي: الرئيس نُقل إلى المستشفى العسكري، إلى العناية المركزة، صحف إيطالية وفرنسية كتبت ما لم تجرؤ أي جهة تونسية على الهمس به، وبقي الصمت الرد الوحيد.
تسعة أيام كاملة من الغياب المطبق، إلى أن خرج الرئيس فجأة، في زيارة ليلية مفاجئة وغير معلنة، لم تكن وجهته إلى مستشفى لمواساة مرضى اختنقوا بانقطاع الأكسجين، ولا إلى أحياء شعبية غارقة في الظلام. بل إلى محطة لضخ المياه، ليقف عند "النقائص" ويشدّد على "تحميل المسؤولية كاملة لكل من ثبت تقصيره". ثم انتقل ليلاً إلى جسر أثري في قلعة الأندلس، ليتفقد أشغال الحماية من الفيضانات وترميم قنطرة بنيت سنة 1608، ويطلق تصريحاته الخشبية عن "تاريخ ليس للبيع" و"مستقبل بيد الشعب"، لغة ركيكة، شعبوية، تصلح لبوست فيسبوكي لا لخطاب دولة في زمن الكارثة. خرج الرئيس من مخبئه أخيراً، لا ليفسّر سبب غيابه، بل ليتجوّل، لا ليحل أزمة الكهرباء والماء التي تفتك بالناس، بل ليتحدّث عن فيضانات لم تأتِ بعد، وعن آثار أهملت على مدى "عقود وعقود". كأن الرجل يعيش في تونس موازية، حيث المشكلة ليست في انقطاع الأكسجين عن المرضى الآن، بل في مياه أمطار قد تضيع لاحقا.
في هذه الأثناء، على الأرض، كان المشهد مختلفاً تماماً، بينما كان الرئيس في مخبئه، كانت تونس تحترق بهدوء. في سابقة هي الأولى من نوعها، انهارت المنظومة الكهربائية لتغرق مدناً وقرى بأكملها في الظلام ساعات طويلة يومياً، وكما لو أن الطبيعة تتآمر على من تبقى من صامدين، تزامنت انقطاعات الكهرباء مع انقطاع الماء، عطش وظلام معا، في عز قيظ يوليو الذي لا يرحم، مواطنون يفتحون الحنفيات فلا يجدون قطرة، ويضغطون على المفاتيح فلا ينبلج نور، الحياة اليومية تحولت إلى سباق مرير ضد الساعة: من سيجد الماء قبل أن يعطش أطفاله؟ من سينهي عمله قبل أن يغرق الظلام شاشته؟ من سينقذ مريضه قبل أن يتوقف جهاز الأكسجين؟
الأخطر من لعبة اختفاء سعيّد، هو ما يفعله بخصومه بينما هو متوارٍ. هو يختفي، وهم يختفون قسراً
في هذه اللحظات، لا يتعلق الأمر برفاهية أو برودة مكيّف، بل بالحياة والموت في أبشع صورهما. كشف رئيس منظمة الأطباء الشبان، وجيه ذكار، عن عدد يصدم الضمير: نحو مائتي حالة وفاة في الأيام القليلة الماضية، تتفاوت بين من انقطع عنهم الأكسجين في منازلهم فوجدهم ذووهم جثثاً، ومن لفظوا أنفاسهم داخل المستشفيات التي عجزت هي الأخرى عن توفير الكهرباء، إلى من قضوا بسبب أمراض أخرى اشتدت وطأتها في غياب التيار. ... مائتا شخص ليسوا أرقاما في تقرير رسمي، فالدولة تتكتّم على الحصيلة الحقيقية، لكنهم أرواح كانت تنتظر نبضة كهرباء واحدة لتبقى على قيد الحياة.
وفي مشهد آخر من مشاهد العبث، حوصر مواطنون داخل مصاعد، أصيب بعضهم بحالات إغماء، أناس خرجوا في يوم عادي، فوجدوا أنفسهم عالقين بين طابقين، يلهثون في ظلام خانق. وفي الأسواق والبيوت، كانت الخسائر تتراكم بصمت: لحوم فسدت في محلات الجزارة بعد ساعات من انقطاع الكهرباء، "مشاريع صغيرة انهارت، أعمال يومية كاملة ضاعت، وأسر فقدت دخلها لأن الكهرباء التي تدير عجلة الحياة توقفت فجأة. وفي الشوارع، انفجر الاحتقان، خرج بعض التونسيين في احتجاجات يندّدون بتردي الخدمات، يطالبون بألا يصبحوا مجرد أرقام في معادلة فنية باردة، بل بأن يكونوا شركاء في إدارة أزمة تهدّد أرواحهم وأرزاقهم. لكن من يستمع؟ الرئيس في مخبئه، يعد زيارات ليلية جسوراً قديمة، والحكومة تدير أزمة لا تملك مفاتيحها الحقيقية.
حين ظهر الرجل أخيرا، في تلك الليلة المتأخرة، لم يتحدّث عن الموتى، لم يقل شيئاً عن مرضى اختنقوا وهم ينتظرون عودة الكهرباء، ولا عن عالقين في المصاعد أغمي عليهم وهم يصرخون، ولا عن قصّابين خسروا بضاعتهم، ولا عن عائلات انقطع عنها العمل والرزق. لم يعِد بحل، لم يقدّم عزاءً. بل قدّم جولة ليلية في محطة مياه وجسر أثري، وخطابا عن "تاريخ ليس للبيع"، بدلا من هذا، انهالت الجوقة المأجورة على مواقع التواصل تزغرد فرحا: "الرئيس بخير!". كأن المشكلة الوحيدة في تونس كانت سلامة رجل واحد، لا انهيار مقومات الحياة اليومية لملايين الناس.
كيف لدولة أن تُدار، وأمنها القومي أن يُصان، وقراراتها المصيرية أن تُتخذ، بينما رجلها الأول يمارس لعبته المفضّلة متى شاء، تاركا الجميع في الظلام؟
الأخطر من لعبة اختفائه، هو ما يفعله بخصومه بينما هو متوارٍ. هو يختفي، وهم يختفون قسراً. انشغلت تونس كلها بماذا حلّ بالمفكر ورئيس البرلمان المنحل، راشد الغنوشي، الذي تجاوز الـ85، والمُصاب بمرض باركنسون، أغمي عليه قبل أسبوع أمام محاميه في أثناء جلسة، ونُقل إلى المستشفى. ... تخيّلوا المشهد: انقطاع الكهرباء يضرب البلاد كلها، البيوت والمستشفيات والمحلات، فكيف الحال في السجون المكتظة حيث الحر خانق والتهوية معدومة والإرهاق يفتك بالأجساد؟ وسط هذا الجحيم، انهار جسد الغنوشي. والرجل ليس مجرد سجين، هذا تنكيل بعائلة بأكملها، في خرق صارخ للقوانين الدولية ولكل ما تبقى من أخلاق وإنسانية. شيخ في خريف عمره محتجزٌ خلف جدران الصمت الرسمي. وفي مكان آخر، يختفي المناضل السياسي والسجين أحمد نجيب الشابي (81 عاماً)، لا خبر عنه، لا معلومة، لا زيارة. وهكذا تتكشف الصورة كاملة: هو يختفي، ويخفي معارضيه في الوقت نفسه. وهذه ليست مصادفة، هذه حالة انتقامية ممنهجة، يستخدم فيها الملفّ الصحي سلاحاً ضد خصومه، تماماً كما يخفي ملفّه الصحي عن الجميع. وهنا المفارقة التي تصل إلى حد الجنون: الرجل الذي يخفي مرضه عن شعبه، والذي تقول تقارير طبية إنه مصابٌ بأصعب الأمراض العقلية علاجا، الهذيان الاضطهادي، هو نفسه من يستخدم صحة خصومه أداة للتنكيل بهم. رئيس تحوم بشأن صحته العقلية كل هذه الشكوك، تقول تقارير إن وضعه لا يخوّله قيادة البلاد، يمسك بمصير معارضيه المرضى المسنّين، يمنع عنهم الزيارة، يمنع عنهم المحامي، يمنع عنهم الإنسانية. أي عبث هذا؟
ما انكشف في ذلك الظهور الليلي الباهت، وفي هذا الاختفاء المتكرّر، لم يكن مجرّد عبث رجل يختبئ ويطل كيفما شاء، بل انهيار وهم كبير ظل قائما طويلاً، وهم أن ثمة مشروعا يحكم، أن ثمة عقلا يدبّر، أن ثمة غرفة عمليات تحوّل الأزمة إلى خطة. لم يكن هناك شيء من هذا كله، الرهان كان على الإرث، لا على الفعل. على ما تركته عقود من الحكم الفردي في العقل الجمعي للتونسيين من هيبة عمياء لكرسي الرئاسة، هيبة لا تسأل ولا تراقب. هذه الهيبة هي السلاح الوحيد. وهي التي جعلت جنرالا يصمت، وقاضياً يذعن، وموظفا ينفذ من دون أن يرفع رأسه. لم يحتج الرجل إلى قوة، بل احتاج إلى صمت الجميع، وقد حصل عليه.
رجل يختلق المؤامرات ليبرّر قبضته، ويسخر القضاء ليخلو له المشهد، ويفتح الأبواب لعائلته لتنهش بهدوء
لم يتآمر الخارج، كما لم ينقذ، تدبّر مصالحه فحسب، تعامل مع رجل يحكم بمزاج جسد مريض، وأدرك أن مواجهته قد تكلف أكثر من تركه يغرق في هوسه، فاختار أن يدير الانهيار لا أن يوقفه. وفي الداخل، انكشف كل شيء، لا عدو يتربص، لا مؤامرة تحاك، لا خطر داهماً، فقط رجل يختلق المؤامرات ليبرّر قبضته، ويسخر القضاء ليخلو له المشهد، ويفتح الأبواب لعائلته لتنهش بهدوء. أما المؤسّسات، فلم تسقط في معركة، بل انزلقت في الفراغ الذي خلفته هيبة الرئيس حين صارت هي الدولة كلها، وهكذا اكتملت "الغمّيضة" في أبشع صورها: رجل يختفي، خصومه يختفون، الحقيقة تختفي، ويبقى الرعب من غيابه هو من يحكم، بينما يدفع الناس الثمن في الظلام.
ها نحن بعد ذكرى 25 يوليو، ذكرى الانقلاب الذي اختطف تونس تحت شعارات التطهير والتصحيح. يومها، وعد الرجل بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. أما اليوم، وبعد كل هذا الخراب، لم يبق من تلك الوعود سوى رجل يلعب الغمّيضة في قصر موصد، يختفي ثم يظهر ثم يختفي، يخفي خصومه ويخفي مرضه ويخفي حقيقة ما يجري، بينما شعبه يتحسس طريقه في العتمة، بين أرزاق ضاعت، وأجساد أنهكها البحث عن مخرج، وأصوات خرجت إلى الشوارع تصرخ "يزي من العبث". لم يعد الأمر يتعلق بانتظار عودة الرئيس من مخبئه، بل بانتظار عودة تونس نفسها من هذا الغياب الطويل. وحتى ذلك الحين، سيبقى السؤال معلقا، ثقيلا كالعتمة: كيف لدولة أن تُدار، وأمنها القومي أن يُصان، وقراراتها المصيرية أن تُتخذ، بينما رجلها الأول يمارس لعبته المفضّلة متى شاء، تاركا الجميع في الظلام؟