فلسطين .. هل هي إلى الحرية أقرب؟

فلسطين .. هل هي إلى الحرية أقرب؟

28 يوليو 2021
الصورة

(نبيل عناني)

+ الخط -

في كل عام يمر، ومع كل عيد يأتي ويمضي، تتكرّر صيغ التهاني المشفوعة بأمنيات حلول عام أو عيد جديد، حاملًا إلينا وإلى عائلاتنا وأصدقائنا الخير والصحة والحال الحسن. وعند أهل فلسطين، وأهلها هم الحاملون لواءها والمنغمسون في قضيتها، تتغير عبارات المعايدة التقليدية، لتصبح مزدانة بخريطة فلسطين، من نهرها إلى بحرها، وقد يتوسّطها رسم حنظلة الذي ابتدعه ناجي العلي، وأصبح رمزًا للاجئ الفلسطيني. كما تتردّد عبارات مثل "عيدنا يوم عودتنا"، في إشارة إلى التمسّك بحق العودة، و"كل عام ونحن إلى فلسطين أقرب"، أو "ونحن إلى الحرية أقرب"، وهي أمنية تمتد لتشمل فلسطين وغيرها من البلاد والعباد المتعطّشين إلى الحرية وقيمها.

على الرغم مما في هذه التهاني من روح متفائلة بغدٍ أفضل، وما تكتنزه من أملٍ بما يتطلع إليه المرء من غده، فإن بعضهم ما انفكّ يناقش في ما إذا كان الخير والحرية والعودة والتحرير وهزيمة المشروع الصهيوني ستتحقق فعلًا في عام قادم، أم أننا سنستقبله بلسان أبو الطيب المتنبي: "عيدٌ بأي حالٍ عدتَ يا عيد/ بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديد". ويسترسل في ذلك معددًا أسباب التخلف، والتراجع، والهزيمة، والثورات المضادّة، وأشكال قمع الحريات، وغياب الديمقراطية والحكم الرشيد، وتنامي موجة التطبيع العربي الرسمي في ظل اتفاقات أبراهام، وتغوّل الاستيطان في فلسطين، ونكوص السلطة الفلسطينية عن تعهداتها بالتحلل من اتفاق أوسلو وسحب الاعتراف بإسرائيل، وعودتها إلى التنسيق الأمني بوتيرةٍ أعلى، كما لوحظ ذلك بعد معركة القدس وسيفها، فمن لا يعتقله الاحتلال تنوب عنه أجهزة التنسيق الأمني، كما عبّر عن ذلك بصورة بليغة رسم مثّل أمًا تسأل القوة التي جاءت لاعتقال ابنها: "بس بدنا نعرف إنتو سلطة ولا احتلال؟". فضلًا عما يتردّد من إجراءات بناء الثقة بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، تمهيدًا للطريق أمام سراب المفاوضات وأوهامها، وهي في جوهرها إجراءاتٌ تعني زيادة انخراط السلطة في المنظومة الأمنية للاحتلال، واعتبار ذلك شرطًا لبقاء السلطة ذاتها، بدلًا من اشتراط تفكيك الاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى، ووضع برنامج زمني لانسحاب القوات الصهيونية، لتكون بداية جادّة تعبّر عن إرادة المجتمع الدولي في التقدّم، وإنْ كان بخطواتٍ بسيطة، نحو تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، إذا كان يريد ذلك فعلًا.

كان التحوّل الأبرز في داخل فلسطين المحتلة كلها في وقفتها الموحدة مع القدس وسيفها، والتي أعادت الاعتبار إلى وحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة قضيته وأرضه المحتلة

ينحاز كاتب المقال إلى الأمنيات الطيبة، ويفضّل رؤية الجزء المملوء من الكوب، ومع نظرته إلى "ما مضى"، في بيت شعر المتنبي، محاولًا الإجابة عن سؤال "أم بأمرٍ فيك تجديد"، منطلقًا من أن العالم وسنة الله في خلقه لا يقبلان فراغًا أو جمودًا، وأنه لولا الاستبداد لما طالب الناس بالحرية، ومن غير الاستعمار والاحتلال لن تُشكّل حركات التحرّر، وتحرير البلاد لا يمكن أن يكون إلا من محتليها أو طغاتها، ولا لزوم للثورة إن لم يكن هناك واقعٌ فاسد تنقلب عليه. دائمًا هناك من يرى الواقع بسكونه، ويظنّ أنه ثابتٌ لا يمكن تغييره، متجاهلًا "دفع الناس بعضهم ببعض"، وسنن التغيير عبر جميع العصور والحقب، ويرى نجاته في الانحياز إلى الواقع الراهن، والاستسلام له بجميع ما فيه من ظلمٍ وعدوان. وهناك من يراه واقعًا مؤقتًا سيزول، ويتمسّك بالتغيير المنسجم مع القيم الإنسانية ومبادئ الحق والعدالة، مهما كان الواقع الحالي صعبًا وقاسيًا، ومهما بدا الاحتلال متمكنًا ومتفوقًا، وإنْ مال إليه ميزان القوى في الوقت الراهن، أو امتلأت زنازين هذه النظام أو ذاك بالمعتقلين، وكُمّمت أفواه الناس، فما هذا كله إلا مقدّمات لتغيير قادم.

ليست أمنية اقتراب فلسطين وعالمنا العربي إلى الحرية، في كل عام مقبل، مجرّد أملٍ لا يستند إلى معطيات ووقائع، فنحن مع كل يوم يمرّ نكون أقرب إلى الحرية من اليوم الذي يسبقه. على الرغم من الانقلاب المضادّ للثورة في تونس، والذي يُؤمّل أن يقاومه الشعب التونسي بجميع قواه المتمسّكة بثورته وقيم الحرية والديمقراطية، فإن نظرةً على أحداث العام الحالي تؤكد أن هذه الأمنيات لا تبتعد عن الواقع، ولا تجنح إلى الخيال، فعلى الرغم من اتفاقات التطبيع مع بعض النظام الرسمي العربي، فإن فشلًا ذريعًا قد لحق بمحاولات منحها صبغةً شعبية، حتى في الدول التي وقّعت معاهدات مع الكيان الصهيوني قبل أعوام عدة، مثل مصر والأردن، بل وتوقف قطار التطبيع عند محطته الأخيرة في السودان، وفشلت المراهنات على ركوب دولٍ أخرى فيه، بل إن السعودية، على سبيل المثال، وهي من روّجت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنها وغيرها أول من سيلحق بذاك الركب، لجأت أخيرًا إلى إحياء قوانين المقاطعة العربية ضد إسرائيل، وحظرت دخول البضائع الواردة من الإمارات التي يدخل ضمن عناصر إنتاجها مكون إسرائيلي.

ليست أمنية اقتراب فلسطين وعالمنا العربي إلى الحرية، في كل عام مقبل، مجرّد أملٍ لا يستند إلى معطيات ووقائع

من جهة أخرى، كان التحوّل الأبرز في داخل فلسطين المحتلة كلها في وقفتها الموحدة مع القدس وسيفها، والتي أعادت الاعتبار إلى وحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة قضيته وأرضه المحتلة، بعد أن قسمتها اتفاقات أوسلو، وهي معركةٌ سيكون لها ما بعدها على مستوى المشروع الوطني الفلسطيني برمته. باتت السلطة الفلسطينية أيضًا تواجه ضغطًا شعبيًا متزايدًا يترافق مع تصعيد المقاومة الشعبية، وعمليات الإرباك الليلي ضد المستوطنين الصهاينة في أنحاء الضفة الغربية، والتي بدأت تمتد من منطقةٍ إلى أخرى، وهي كفيلةٌ بإيجاد قياداتٍ ميدانيةٍ واعدة، وعزل مجموعات التنسيق الأمني جماهيريًا، بعيدًا عن انزلاق المجتمع الفلسطيني في فتنٍ داخلية، والتي ستحول دون نجاح جرعات التخدير التي ضُخّت في شرايين السلطة الفلسطينية الجافّة، وتدفعها تحت ضغط الجماهير والمقاومة الشعبية ضد الاحتلال إلى تغيير وظيفتها الأمنية في خدمة الاحتلال، والتخلّي عن أي دور سياسي، وإعادته إلى منظمة التحرير الفلسطينية، بعد إعادة أحيائها، متحولةً إلى سلطة خدمات تُعنى بحياة الشعب الفلسطيني اليومية، تمامًا كما كانت تفعل البلديات المنتخبة قبل اتفاق أوسلو.

مؤشّرات أخرى على التغيير القادم تتعلق بالانقسامات داخل المجتمع الصهيوني من جهة، ووحدته خلف المشروع الاستيطاني التوسّعي؛ الانقسامات تضعف الكيان الصهيوني، وجنوحه نحو التطرّف قد أنهى كل فرصةٍ أُتيحت لما عُرف بالحل المرحلي، يترافق ذلك مع اتجاهٍ متزايد للمجتمع الدولي إلى وسم الكيان الصهيوني بأنه نظام أبارتهايد، ونجاحات عدّة حققتها حركات المقاطعة، وتظاهرات بعشرات الآلاف في العواصم الأميركية والأوروبية إبّان معركة القدس وسيفها.

بعد ذلك كله، ألا يحق لنا أن تكون تهنئتنا بالأعياد "كل عام ونحن وفلسطين إلى الحرية أقرب"؟