فلسطين .. الهدوء الذي يلي العاصفة

فلسطين .. الهدوء الذي يلي العاصفة

30 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

توقف إطلاق النار في غزّة، ولم تتخذ إسرائيل قرار الدخول في عملية برية هذه المرة، فاكتفت بأحد عشر يوماً من القصف الجوي، طاول أماكن مدنية وعسكرية كثيرة في القطاع، وألحق دماراً هائلاً، استوجب نداءات لبدء حملات إعادة إعمار، وردّت حركة حماس على هذا العنف المُفرط بإطلاق أكثر من ثلاثة آلاف قذيفة صاروخية، وجد بعضها طريقه إلى داخل الأراضي المحتلة، فألحق دماراً وأسقط قتلى. يجمد اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين هذا كلّه، لكنّه، كسوابقه، لن يكون قادراً على وقف دورة المواجهات التي تتكرّر كلّ فترة...

بذلت إسرائيل جهوداً دبلوماسية مضنية، وعاونتها أميركا لإيجاد جو إقليمي يعزل الفلسطينيين وقضيتهم، واعتقدتْ أنّها نجحت في تحويلهم إلى مجموعة بشرية مهملة، تعيش في الجوار فقط، من دون دولة، يمكن السيطرة عليها بتطبيق حصارٍ سهل لا يلومها عليه أحد، ويمكن أن تسود حالةٌ من الميوعة تجعل مسألة الحدود غير واضحة، ما يفتح مجالاً للمستوطنات لأن تعربد على هواها، لكنّ الإصرار الفلسطيني على المواجهة، على الرغم من معرفة النتائج، يجعل إسرائيل تدرك، في النهاية، أنّ الفلسطيني جارٌ لا يمكن تجاهله.

صوت الانفجار وصل إلى عاصمة الولايات المتحدة، التي زار وزير خارجيتها، أنتوني بلينكن، المنطقة، حاملاً أكثر من ورقة، تختلف عن الأوراق التي كان صهر دونالد ترامب يذهب ويأتي بها، وغيّر من خلالها طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الملف الفلسطيني. احتفظ بلينكن بلهجة تعاطف واضحة مع إسرائيل، وأقرّ لها بحق الدفاع عن نفسها، وهي متلازمةٌ لم تتراجع عنها كلّ الإدارات الأميركية، لكن الآن، في ظلّ دورة سياسية جديدة، طرح فيها الجانب الأميركي، عبر بلينكن، صيغاً مغايرة عن التي تبنّاها ترامب، فبلينكن يريد إعادة البعثة الدبلوماسية إلى رام الله، وهي بعثة تتبع وزارة الخارجية، مستقلة عن بعثة الولايات المتحدة في القدس، ما يؤشّر على رغبةٍ في تعامل مباشر. وقد أعادت أميركا مساعداتٍ كثيرة أُوقِفَت في عهد الإدارة السابقة، مع ملاحظة مهمة، أنّ هذا الكَرم الدبلوماسي والمالي لم يأتِ إلّا بعد دورة مواجهة قاسية خسرت فيها غزّة 255 ضحية بشرية، من بينهم 67 طفلاً. للأسف، كان على غزّة أن تدفع هذا الثمن الباهظ قبل أن يصل بلينكن، ويظهر تعاطفاً ما.

في المؤتمر الدولي الكبير الذي عُقد من أجل القضية الفلسطينية في مدريد عام 1991، كان مقرّراً أن يُحلّ هناك كلّ شيء، لكنّ ذلك المؤتمر لم يكن سوى نقطة يمكن أن يؤرَّخ لما قبلها ولما حصل بعدها، وحقّقت إسرائيل مكاسب كثيرة منذ ذلك التاريخ على حساب تجمع الدول العربية الذي كان يعدّ نفسه، من ناحية سياسية، جبهة مقابلة لإسرائيل، لكنّ هذا المفهوم تساقط ببطء وانتظام، فانتزعت من هذا الصراع قشرته العربية، وصولاً إلى مواجهة فلسطينية إسرائيلية، لا يشكّل العرب، وحتى السلطة الفلسطينية نفسها، سياسياً، أيّ فرق يذكر فيها.

منذ خرجت إسرائيل من غزّة عام 2005، تشهد هذه البقعة الصغيرة دوراتٍ من المواجهة، تتكرّر فيها سيناريوهات القصف، ثم الردّ بالصواريخ، ليتوقف كلّ شيء بعد فترة، ويبدأ توزيع جوائز الترضية على الأطراف، ثم الدخول في حالةٍ من الهدوء التام سنوات، لتعود الأحداث وتكرّر نفسها بطريقةٍ دورانيةٍ متطابقة، من دون أيّ تقدّم. حدث ذلك أربع مرات، وهو بالطبع مرشّح للإعادة، فشروط البدء ما زالت متوافرة كما تُركت منذ عام 1948، وما زالت تحمل الزخم نفسه، لتكرار الأمر بالتفصيل. في هذا الظرف، يمكن القول، بكلّ مرارة، إنّ حلم الدولة ما زال بعيداً، خصوصاً أنّ جزءاً من أدوات تكرار الدورات وشروطها، بين يدي أطراف فلسطينية، بما يعني رغبتهم في المشاركة في هذه اللعبة، من دون خطّة عملية لوضع نهاية حاسمة.