فلسطين الرابط الاجتماعي والسياسي في المؤشّر العربي
يأتي "المؤشّر العربي 2025"، المعلن أخيراً، في ظروف من عدم الاستقرار في غالبية الأقطار العربية، مع حجم كبير من الصدمات للأنظمة السياسية والاجتماعية والأمنية، وأمور كثيرة تراكمت منذ انطلاقته قبل 14 عاماً (2011 - 2025). وقد أرفد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ذلك ببيانات وكتابات للتمكّن من مناقشة القضايا المهمّة ديمقراطياً وعلى أسس واقعية. ذلك أن تحليل دينامية الأحداث يفترض استخلاص الدروس وتفحّص آفاقها، وممارسة الشفافية من المُستطلَعين الذين يشعرون بأنهم غير مسموعين، أو غير مقروءة مشاعرهم وأفكارهم من السلطات التي غالباً ما تكون غير مبالية أو متعالية، وفي غياب التدابير التي تعالج ما يعيشونه من مظالم، والمطالب المهملة وسط استمرار تدهور ظروف معيشتهم، كما التخلّي عن معركتهم من أجل العدالتين، السياسية والاقتصادية، ما يقرّر مصداقية المُؤشّر في نواحٍ تحظى باهتمام إعلامي ومجتمعي متّسع ومتطوّر، ومن الوعي العام الذي يضمّ أجيالاً جديدةً تتخذ موقفاً نقدياً نسبياً من القضايا، انطلاقاً من اقتناع عميق بعدم وجود حلّ مستدام للأزمات من دون تغيير في الجذور.
يتمتّع "المؤشّر" بقيمة "تتبعيّة" طويلة لقياس التغيّرات السياسية أخيراً في المنطقة، وفي أن تكون بياناته عميقة ومفصّلة في آن واحد بما فيه الكفاية لالتقاط السياقات العامّة وتعريفها. وبنتيجة الأبحاث والمسوحات، أصبحت الأمور على بيّنة من طبيعة الاختلافات في البيئة المكوِّنة للاستقرار. وقد ساهم "المؤشّر"، على فترات، في تفسير الأحداث والسيرورات وتوفير معلومات ومدركات واسعة حول الساحة السياسية العربية، ومحاولة البناء التجريبي للأفكار وترتيبها في سياق تاريخي واضح قابل للتحقق، في استنتاجاتٍ تحتاج أدوات نقدية تسمح بأخذ مسافة في ممارسة الأحكام، تفادياً للمأزق الخطير الذي يجعل النقاش الديمقراطي صعباً.
لا يمكن تأمين الاستقرار من دون أدوات تؤثّر في تشكيل عناصر المستقبل، وليس هناك مجتمعٌ مقرّرٌ سلفاً. والتغلّب على المشكلات التي يواجهها الوطن العربي بالغ الأهمية، بوصفه مجموعاتٍ تتنافس مع قوى عالمية رأسمالية ضخمة غير مقيّدة، مع استمرارية عناصر الوطنية الضعيفة، والنزاعات الإقليمية، والحرب الإسرائيلية باعتبارها مصدر التهديد الأساسي ومشروع استعمار استيطاني وقعت القضية الفلسطينية ضحيته.
رفض 87% من المشاركين في الاستطلاع الاعتراف بإسرائيل دولةً ضمن الإقليم العربي
وتعبّر الغالبية العظمى من المُستطلَعين عن رفضها التطبيع مع الكيان الإسرائيلي رفضاً صريحاً، وعن التزامها بالقضيّة الفلسطينية. ولا تعوق هذه السياسة حساباتٍ اقتصاديةً أو سياسيةً تمنع المواطنين من إصدار حكم مستنير حول قضايا الحل العادل للفلسطينيين كما تفرضها القوانين الدولية، في مواقف لم تتغيّر؛ إذ لا يزال معظم سكّان المنطقة يرفضون الاعتراف بإسرائيل بنسب ثابتة لأسباب دينية وسياسية. ولا يزال معظم الناس في البلدان العربية يؤمنون بأن فلسطين "قضية العرب جميعاً"، ما يعزّز الثقة باتجاهات المؤشّر.
رفض 87% من المشاركين في الاستطلاع الاعتراف بإسرائيل دولةً ضمن الإقليم العربي، ويشعر هؤلاء بضغط نفسي بسبب الحرب على غزّة ولبنان؛ إذ تعتبر نسبةٌ كبيرةٌ من المشاركين سياسات إسرائيل تهديداً لأمن المنطقة (84%). ولن يقبل الرأي العام العربي بالتضحية بالقضية الفلسطينية من أجل الاهتمام بأوضاعه الاقتصادية أو الحياتية، في مقابل أقلية صغيرة نسبياً من مؤيّدي الاعتراف بإسرائيل (انخفضت في المغرب إلى 6%، وفي السودان إلى 7%). والمؤشّر ليس محايداً "أبستموقراطياً" بعيداً عن التجربة السياسية في النظر إلى المشروع الصهيوني في صياغته العنصرية والبربرية.
في المقابل، تُظهر البيانات التي جُمعت في الاستمارات متابعةً لموضوعات الشأن العام: بناء مجتمع المواطن، وحبّ الحرية والمساواة (ليس التضييق على نطاق التفكير العام، والاستياء من الشعور بالتخلّي ليصبح الرأي العام قوى مضادّة للسياسة). وترسيخ الديمقراطية الذي يتطلّب وجود مجتمع مدني وحركة طبقة وسطى قوية ومستقلّة، ومدى الثقة بالمؤسّسات السياسية والإدارية (مستويات مرتفعة تجاه المؤسّسات الأمنية والقضائية 77%، وأقل بالنسبة إلى المجالس التشريعية 24%، والتنفيذية 33%)، إلى ظاهرة انتشار الفساد المالي والإداري (84%).
بقي الاقتصاد الشأن الأثقل على المُستطلَعين العرب، وسط تفاوت معيشي كبير
ويبقى الاقتصاد الشأن الأثقل على المُستطلَعين، وسط تفاوت معيشي كبير لم ينعكس على مدى رفض المُستطلَعين العقلانية الإدارية للنيوليبرالية في إنكار إنسانية الآخرين، حين تتبنّى العنف والعدوانية لضمان التفوق الديني والإثني والأيديولوجي القومي لإسرائيل، مع حجم كبير من التفاوت وعدم التوازن في المكوّنين الأساسيين للحياة الإنسانية: العدالة والحرية.
وهناك تحدٍّ آخر يتقدّم في "المؤشّر" على وقع النزاعات الأهلية التي تعوق جهود التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتطبيق إجراءات الحماية من غزوات الخارج بنزعة استعمارية جديدة تعمّق مشاعر انقسام اجتماعية ودينية. ويرى 77% أن السياسات الأميركية تهديد لأمن المنطقة واستقرارها، لمصلحة سياسات القوة والهُويّة والشعبوية، في خضمّ عملية تقسيم وتفتيت تطاول الأرض الممتدّة من الخليج إلى المحيط مع مجموعة أقوام مختلفة.
وما يمكن الوقوف عنده بخوفٍ شديدٍ، ما عبّرت عنه عيّنة السودان أن 67% من السودانيين لم يعودوا إلى منازلهم؛ أي أكثر من 12 مليون شخص هجّروا قسرياً منذ بداية النزاع في إبريل/ نيسان 2023، ما يُعدّ من بين أكثر الأرقام في العالم تعبيراً عن أزمة التهجير والنزوح المعاصرة، فيتعمّق الصراع حيث يتفكّك السودان إلى شظايا لا حصر لها. والأمر الذي يحتاج إلى قراءة اعتبار الإمارات التهديد الأكبر في نظر (65%) من المُستطلَعين في السودان، وليس بعيداً في الصومال (19.6 مليون نسمة ضمن البلدان التي لم يشملها الاستطلاع، وألغى مجلس الوزراء الصومالي جميع الاتفاقات المبرمة مع الإمارات). وتعاني الصومال من تحدّيات كبيرة بسبب انخفاض المساعدات الخارجية وبسبب الأزمات الأمنية؛ بلد تحكمه الإنترنت بخدمات مجموعات واتساب بديلاً من الخدمات الحكومية. ولا تزال الدولة الصومالية هشّةً بعد ثلاثة عقود من الفوضى والصراع العشائري، عرضةً لإعلان استقلال الأطراف باختراقات إسرائيلية.
لن يقبل الرأي العام العربي بالتضحية بالقضية الفلسطينية من أجل أوضاعه الاقتصادية أو الحياتية
كذلك اليمن، الذي لم يُذكر ببيانات مفصّلة، ولا يزال يعيش نزاعاً مسلّحاً معقّداً في جبهات متعدّدة، مع هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي والغذائي (17 مليوناً يواجهون الجوع، بينهم أكثر من مليون طفل). ومع هذه الأولويات بالنسبة إلى بلدان عدم الاستقرار، نجد مواطنيها هم الأكثر رفضاً للاعتراف بإسرائيل.
من الواضح أنه كانت هناك محاولات أخرى عديدة للقائمين على "المؤشّر" لا تفتقر إلى الطموح إلى استطلاع قضايا تطويرية في التعليم والتقنية ومواقع التواصل الاجتماعي (98%) والعدالة والحرية، وتطوير القدرات الوطنية وآليات الحوكمة والرقابة، والتركيز على أهمية الإنسان العربي، وإعطاء اهتمام أكبر للمضامين السياسية الديمقراطية والمؤسّساتية (تدنّت نسبة المهتمّين بالعملية الديمقراطية إلى 68%). ومع أن هناك دعماً واسعاً للديمقراطية، يُلاحظ اتجاه عكسي نحو الانغلاق، والأسوأ من المُستجيبين في تونس، وهو انعكاس لتجربة تونس السياسية بعد عام 2011. وقد تظهر في دول أخرى تفضيلات للأنظمة القوية مقابل الديمقراطية. لذلك، يحتاج تحليل البيانات ترتيب فهم الهيكليات والطرائق، وتبيان أيّ مستقبل محتمل بتناول القدرات والفرص. وحالة النموذج الليبي جزء من الاستطلاع بنسبة نمو اقتصادي هي الأعلى بين الدول العربية (17.3%)، لكن تظلّ هذه القفزة رهينة الاستقرار السياسي وتحسّن الوضع الأمني.
ما السرعة التي يمكن للأقطار العربية أن تتقدّم فيها؟ هناك كثير من الشك. تغيير النموذج هو ما يسمح بالتقدّم، لكنّه لا يفضي دوماً إلى الديمقراطية.