فلج زهران القاسمي

فلج زهران القاسمي

24 يناير 2022
+ الخط -

لم تكن الأفلاج العُمانية مادة رئيسة للسرد الحديث، مع وجود مقتبساتٍ شعريةٍ كلاسيكية كثيرة وشواهد متعددة وأخبار وقصص وحكايات متنوعة عن الأفلاج ومياهها. مثلاً، حين يسمّي الشاعر الفلج نهراً، ويضفي عليه ما للنهر من جريان وهدير وسعة، هي في الأساس سعة الخيال والحلم، مثل الشاعر هلال بني عرابه الذي خلع على فلجه لقب "أبا خالد"، علامة على أزليّة جريانه، ولكنه رغم ذلك المديح فاض وهدم بيته وخرب بقعته وهو غائب، فخاطبه معاتباً:
أبــا خـالدٍ ظَـنّـي لتـحـفـظَ غـيـبـتـي/ وقـد خـابَ ظَـنّـي خـيـبـةً إثْـرَ خَـيْـبَةِ
تــطــوفُ بـنـا ليـلاً كـمِـثْـلِ عَـدُونـا/ وقَـعْـوَسْـتَ داري ثـم خَـرّبـتَ بُـقْـعَـتـي
تستفيد رواية الشاعر العُماني، زهران القاسمي، "تغريبة القافر" من مكوّنات الأفلاج العمانية القديمة وحياتها. والفلج شقّ مائي معقد يغور جزء منه تحت الأرض، ويصل هناك إلى طبقات غاية في العمق، مثلاً فلج دارس القريب من قلعة نزوى الشاهقة، الذي، في إطار ما يمكن تسميتها عبقرية هندسية عرف بها الأجداد، حفر له عمق يوازي ارتفاع القلعة، وكأنما السر المضمر من ذلك أن الارتفاع الظاهر للقلعة يوازيه عمقٌ شبيه تحت الأرض، الأمر الذي جعل منظمة اليونسكو تختار فلج دارس التاريخي، وبسبب هذه التكوينات المعقدة، ضمن الآثار العالمية، مع الفرق أن هذا الإرث حيّ ومياهه جارية منذ الأزل، اختارته "اليونسكو" أو لم تفعل، وسواء اكتشفنا سرّه أو لم نكتشف.
تنشغل رواية القاسمي بطريقة شقّ الأفلاج العُمانية القديمة، من خلال حبكة أفقية للبطل الذي سقطت أمه في البئر وقت ولادته. ولذلك صار قفّاراً (قافي أثر) للماء. وفي هذا السياق، أتذكّر مقطعاً شعرياً للشاعر العُماني المقيم في المغرب، عبد الله الريامي، من مجموعته الشعرية الأولى "فرق الهواء": لأني ولدت في يوم ماطر فقد عشت دائماً كالغريق .. وقافر زهران القاسمي، الذي ولد في يوم ماطر، عاش كذلك باحثاً عن أثر الماء تحت الأرض.
قبل أيام، كنت أمشي مع قريب لي (هلال البوسعيدي) في ولاية منح، وهو من سكانها، وفجأة قال لي أن أتوقف فتوقفت، ثم سألني: هل تعرف ماذا تحت قدميك؟ أجبت: التراب والحصى. فضحك، وهو يجيب: يوجد فلج نشيط. والمعنى أن ماءً جارياً يوجد تحت رجلي من دون أن أشعر به، والمعنى أيضاً أن الأجداد شقّوا ذلك الطريق تحت الأرضي، والذاهب بعيداً في مساحاته، متحدين الظلام والطمي والصخور من أجل تسريح طريقٍ للماء الذي اكتشفوا نبعه في تلك الأعماق.
وفي لحظات الفيضانات، تكون الأفلاج أولى هذه الضحايا، حين تطمرها السيول ولا تبقي لها من أثر. لذلك يأتي دور القافر، كما فعل زهران في روايته، لكي يبحث عن هذه الآثار المطمورة. وقد استطاع من خلال روايته البيئية، الخصبة، أن يعرّفنا بطرق شق الأفلاج وتلك المعاناة التي يعانيها القرويون مع العطش والتعلق بالأمل في اكتشاف الآثار المطمورة. وقد جعل من روايته مناسبة للتعريف كذلك بمفردات قديمة في اللهجة العُمانية وأسماء الناس وأحوال معيشتهم في ذلك الوقت، غالباً فترة الأربعينيات وما قبلها.
قرأت في أثناء قراءتي "تغريبة القافر" كتاب أحمد الفلاحي "بطين" (400 صفحة)، وهو عن أعلام قرية كاتبه الصغيرة، بطين، وأغلبهم من عائلة الفلاحات، ولكن جانباً كبيراً من الكتاب عن الماء، وخصوصاً النزاع بشأن الأنصبة من مياه الفلج، وتلك المعاناة التي يعانيها الأهالي ما إن ينضب معين هذا الفلج، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى ترك قراهم، والذهاب إلى قرى أخرى يكون فيها ماءٌ، وأفلاجها جارية. ولكن ما إن تعود الحياة إلى فلجهم الأصلي، حتى يعودوا أدراجهم إلى مراتعهم الأولى، وكأن معاناةً لم تكن، ويحتفلوا بطريقتهم.