فستان وأحمر شفاه

03 يونيو 2026

مشهد من حفل زفاف جماعي في دير البلح وسط قطاع غزة (24/4/2026 الأناضول)

عندما كنت طفلة صغيرة، كنت أمارس هواية بديعة؛ إذ كنت أجمع قطع القماش الزائدة من فساتين أمي، وأقوم بخياطتها وتحويلها إلى فساتين جميلة للدمى والعرائس. ولكني كنت دائماً أجعل محيط خصر هذه الفساتين واسعاً، وأستخدم طريقة تُعرف بين العامة والحائكات باسم "الزَّمّ"، بمعنى أنني كنتُ أترك خيطاً من دون إحكام، لكي أستطيع جذبه وتضييق محيط الخصر حسب مقاس الدمية. وقد كنت أستخدم هذه الطريقة الماكرة أملاً وطمعاً في الحصول على دمية جميلة جديدة بمحيط خصر مختلف، في مناسبة قادمة من أبي أو حتى من عمي الغائب في بلاد الخليج، الذي كان يفد بكرمه وحبّه لزيارة غزّة في إجازة كل صيف.

كنتُ "أزمّ" محيط خصر الفستان الواسع والمزركش، وأشعر بسعادة غامرة؛ إذ لم يتطلب الأمر مني سوى أن أجذب الخيط السائب غير المحكم في محيط خصره، حتى يتحوّل الفستان إلى تحفة فنية على جسد الدمية الجديدة التي حصلت عليها. وقد راقت لي هذه الفكرة، واعتقدت أنني سأكون حائكة حاذقة. وكنت أرى جدّي يستخدمها مع سرواله العتيق، إذ لم تكن قد انتشرت السراويل المزودة برباط خصر ثابت غير قابل للانزلاق، بحيث تستر عورة من يرتديها. وكنت أضحك في سرّي، كلما رأيت جدّي يحاول أن "يزمّ" رباط سرواله المتدلي كي لا يسقط أرضاً، وتنكشف عورته، بينما يكون منهمكاً في تكسير الحطب أو حراثة قطعة الأرض الصغيرة الملحقة ببيته العتيق.

حين جاءت الحرب، وبدأت غزّة تتحول إلى كومة من الحجارة، تساءلت بكل غضب الدنيا وحزنها مع صديق فلسطيني ينشر تحليلاته السياسية على "فيسبوك". ورغم أنه يعمل طبيباً بيطريّاً، إلا أنه كان محللاً رائعاً ومستشرفاً مجريات الأحداث. وحين سألته، في حنق، ما الذي يفعلونه بغزّة الحبيبة، أجابني: إنهم يريدون "زَمّ" غزّة، ولا تنسوا أن تضعوا الفتحة فوق أول حرف من الكلمة. وهنا أصابني ردّه بطعنة في قلبي؛ لأنني تخيلت تماماً ما يمكن أن يحدث لمساحة القطاع الضيقة أساساً، والتي ينحشر فيها أعلى تجمّع سكاني في العالم.

فعليّاً، وبعد أكثر من عامين ونصف العام على هذه المقتلة، سيطرت إسرائيل على نحو 60% من مساحة قطاع غزّة، فيما يطالب نتنياهو بضرورة ضم نحو 10% أخرى من المساحة لتكون منطقة أمنية عازلة. وبالتالي، يتم حشر السكان في مساحة ضيقة تزيد قليلاً على مائة كيلومتر مربع، وفي ظروف معيشية سيئة ومقصودة، بحيث لا تتوافر فيها أدنى مقوّمات الحياة من طعام ومياه شرب وأدوية، وبحيث تصبح هذه المنطقة طاردة للحياة ومحفّزة للسكان على الهروب والمطالبة بفتح أبواب الهجرة الطوعية. وفي هذه المنطقة الضيقة التي تتعرّض للقضم والتضييق، لا يجري تجميل المكان مثلما كنت أفعل مع فستان دميتي، وإن كان يتم استخدام المبدأ نفسه من خلال تضييق القطاع تدريجيّاً وقضم مساحة أراضيه. ولا يفعل الاحتلال هذا، بالطبع، من أجل ستر عورة كما كان جدّي يفعل، بل على العكس؛ فقطاع غزّة أصبح مكشوفاً للعالم أجمع بمشكلاته ومآسيه التي تطاول النساء والأطفال على وجه الخصوص.

تبدو ردّة فعل السكان في غزّة مغايرة للمتوقع، فيُخيَّل إليك أنهم أصبحوا منفصلين عن الواقع، فيما يُدفعون باتجاه شاطئ البحر، وتُضيَّق مساحة الأرض التي يعيشون عليها. فهم واقعون فعليّاً تحت تأثير ما تعرف بـ"متلازمة أحمر الشّفاه"، إذ يسرفون في إظهار الفرح ويبالغون في الاحتفال بمناسبات الزواج. لكن هذا لا يعني الصمود بقدر ما يعني انعدام الخيارات؛ لأن هذه الرفاهية المنفصلة عن الواقع تأتي نتيجة عدم قدرة الغزّي على تخيّل المستقبل المقبل، وكذلك عدم تقبّل الواقع، ومحاولة انتزاع حياة كاملة من فترةٍ لا تتعدى لحظات رسم أحمر الشفاه على شفتي امرأة، والتقاط صورة جميلة على شاطئ البحر، وكأنهم يحاولون تجميد الزمن، لا الاحتفال بالفستان ضيّق الخصر أو ممارسة الإغراء بأحمر الشفاه.

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.