فرنسا وتصاعد الخطاب الشعبوي

فرنسا وتصاعد الخطاب الشعبوي

16 يناير 2022
+ الخط -

يتفق المتابعون للشأن الفرنسي على أن الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستعرفها فرنسا بعد أقل من ثلاثة أشهر تتميز مقارنة مع سابقاتها في السنوات الأخيرة، بسبب عدة عوامل، بل تهديدات تلقي بظلها على مسار المسار الديمقراطي في فرنسا وفي النقاش السياسي العام الذي تعرفه فرنسا كلّ خمس سنوات، والذي غالباً ما يكون حامي الوطيس، إذ من خلاله يختار الفرنسيون، ليس الرئيس فحسب، بل النواب البرلمانيين أيضاً، وبالتالي الحكومة المقبلة، في نظام الجمهورية الخامسة شبه الرئاسي.

التهديد الأول تشكّله الجائحة التي تضرب فرنسا، خصوصاً مع الانتشار الواسع لمتحور "أوميكرون" الذي ينذر بإجراء الانتخابات في ظروف غير ملائمة صحياً على المستوى السياسي، خصوصاً لعقد التجمعات الانتخابية الكبرى التي كانت تعرفها فرنسا إبّان الانتخابات بهدف عرض البرامج الانتخابية والتعريف بها، ما جعل الحملة الانتخابية تتركّز أساساً على وسائل الإعلام المرئي والمسموع.

حارت عقول المواطنين الفرنسيين، وفقدت الثقة في السياسيين، ولم تعد تصدّق أيّ أحد

يستغل الرئيس ماكرون الذي لم يعلن بعد عن ترشحه رسمياً الجائحة لتقوية حضوره الإعلامي وتمرير رسائله السياسية، كي يبقى وحده محور النقاش، وتبقى قراراته موضع السجال. وبذلك يهيمن على الآلة الإعلامية التي يحاول المرشّحون الآخرون استغلالها أيضاً، وهو ما دفعهم إلى الاحتجاج بطريقة شعبوية على كلّ قرارات الرئيس، بل يمكن القول إنّ الانجراف للخطاب الشعبوي لم يسلم منه الرئيس نفسه، حينما قال إنه يريد تنغيص الحياة على غير الملقحين، مستعملاً كلمة يترفع الكاتب هنا عن ذكرها للقارئ، وأحدثت عدة ردود فعل شاجبة هذا الأسلوب، سيما من منافسي ماكرون الذي لم يثنه الجدل الذي أشاعته تصريحاته عن كلامه، ولم يدفعه إلى التراجع عنه، أو الاعتذار، ما يدفع إلى القول إنّ التصريح مخطط له، ويدخل في صلب استراتيجية التسويق السياسي للرئيس، والتي تهدف أولاً إلى ضرب القاعدة الانتخابية لليمين المتطرّف التي ينتمي إليها أغلب رافضي التلقيح باستعمال ألفاظ نابية فظّة، واتهامهم بطريقة غير مباشرة بتقويض الأمن الصحي للفرنسيين.

الهدف الثاني تسليط الضوء على تناقضات حزب الجمهوريون، وتذبذب مواقفه في قضايا عديدة، ومنها الانتقال من الجواز الصحي إلى جواز التلقيح الذي تعوّل الحكومة الفرنسية على تبنيه قبل منتصف شهر يناير/كانون الثاني الجاري، وهذا ما ظهر جلياً من خلال رفض أغلب نوابه التصويت على مقترح الحكومة ضداً من توجيهات مرشّحة الحزب الداعمة للقرار، ما أخرج إلى العلن تشتت مواقف الحزب، وهذا ما يريده ماكرون، إذ تعتبر فاليري بيكريس أكبر منافسيه، وقد تفوز بالرئاسة، إذا استطاعت المرور إلى الدور الثاني، إذ ستلتف حولها كل القاعدة الانتخابية لليمين، عدا كلّ الغاضبين من ماكرون من كلّ حدب وصوب، ناهيك عن بعض مناصري اليسار الذين يرون في وصول اليمين إلى الحكم السبيل الأوحد لعودة اليسار إلى الحكم في السنوات المقبلة.

تردّي الخطاب السياسي مستمرّ، مع استعمال كلّ مرشّح ألفاظا نابية ومثيرة

وقد جاء تصريح ماكرون بعد انتقادات كبيرة طاولته من اليمين الفرنسي، بمعتدليه ومتطرّفيه، في أول يوم من هذه السنة التي اعتبرت وضع العلم الأوروبي على باب قوس النصر الشهير في باريس، في إشارةٍ إلى بداية ترؤس فرنسا الاتحاد الأوروبي، من دون وضع العلم الفرنسي إلى جانبه، انتقاصاً من السيادة الفرنسية، واستخفافاً بالشعب الفرنسي، وسبّة في حق الجندي المجهول الذي يُحتفل به في المكان، ما دفع الحكومة الفرنسية إلى سحب العلم الأوروبي بعد يوم من وضعه، متحججة بأنّ ذلك كان مبرمجاً وليس تراجعاً أو هزيمة أمام الضجّة الإعلامية التي أحدثتها المعارضة.

تردّي الخطاب السياسي مستمرّ، مع استعمال كلّ مرشّح ألفاظا نابية ومثيرة، بل يلجأ بعضهم، مع ضعف إبداعه اللغوي في هذا المجال، إلى النبش في الماضي لنفض التراب عن مصطلحات فظّة فجّة استعملت سابقاً، مثل إعادة استعمال مرشّحة اليمين وجوب غسل الضواحي بـ"الكارشر" (Karcher)، من أجل تنقيتهم من حثالة الناس وأوساخهم، وهي الكلمة التي استعملها ساركوزي عندما كان وزيراً للداخلية، في استفزاز واضح لأبناء الضواحي والمناطق المهمشة الفقيرة. وهكذا تلقفت وسائل الإعلام الخبر وتناقلته، وكلّ أمل صاحبة التصريح أن يمكّنها من الصعود في استطلاعات الرأي، ويتيح لها فرصة المرور إلى الدور الثاني.

حسابات سياسوية ضيقة لا تمُتُّ إلى روح السياسة الإصلاحية بصلة، تجعل من الخطاب الشعبوي خريطة الطريق إلى الرئاسة

هي، إذاً، حسابات سياسوية ضيقة لا تمُتُّ إلى روح السياسة الإصلاحية بأيّة صلة، تجعل من الخطاب الشعبوي خريطة الطريق للوصول إلى الرئاسة، إذ يجعل كلّ هذا الكلام الذي يتصدر الصفحات الأولى للجرائد، وتفتح به النشرات الإخبارية كلّ يوم، الحديث عن البرامج السياسية في المواضيع التي تهم المواطن الفرنسي، وتمسّ حياته بشكل مباشر، يمر مر الكرام، لا يعرَّج عليه إلّا بعد استنفاد الحديث في الملاسنات التافهة التي تطبع هذه الحملة الانتخابية، وتنزل بها إلى أسفل سافلين. لكن، أليس هذا ما يبحث عنه الناخب المواطن الفرنسي بعدما جرّب كلّ الوصفات الانتخابية يميناً ويساراً، ويئس من الحلول المقترحة المزمع تنفيذها؟

قد يكون هذا هو الجواب، فقد مرّ الزمان الذي كان النقاش فيه محصوراً في البرامج الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، فقد حارت عقول المواطنين، فقدت الثقة في السياسيين، ولم تعد تصدّق أيّ أحد، خصوصاً أنّ الجميع، من دون استثناء، يخلف تعهداته ولا يلتزم بها، وأصبحت الوعود لا تلزم إلا من يتلقاها ويؤمن بها... وقد فتح هذا المجال للمدّ الشعبوي اليميني الذي يتصاعد ويظهر جلياً كلّ يوم في التعابير المستعملة والمصطلحات المستخدمة التي أسقطت حواجز أخلاقية عديدة كانت تمنع الكلام السافل، للتهجم على الأشخاص بسبب انتماءاتهم الاجتماعية أو العرقية أو الدينية، ما يدفع إلى التساؤل، ليس عن حجم هذا المد اليميني اليمين المتطرّف وقوته، فهو واقع معاش، بل عن مدى فتحه المجال وتهيئته المناخ لظهور (وعودة) الفاشية السياسية التي عرفتها أوروبا منذ قرن، وبدأت ملامحها تظهر في دول أوروبية عديدة.

ومن هذا نختم بهذا السؤال: هل المدّ الشعبوي الذي تعرفه فرنسا وأوروبا مجرّد سحابة عابرة، أم هو تمهيد لفاشية قادمة، وإذا كان كذلك، فما السبيل إلى تجنّبها ودفعها ودحض نظرياتها؟ ما العمل؟ أم أنّ كلّ آت آت؟