فرصة مهدورة لصياغة عقد ثقافي جديد
(لؤي كيالي)
حمل المثقّفون السوريون الثوريون (سواء الذين غادروا سورية لأسباب متعدّدة أو الذين اختاروا البقاء) على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على قيمة الثقافة السورية وتعريف العالم إلى عمقها التاريخي. لقد ساهموا في نشرها في العالم، وأضافوا إلى المكتبة السورية والعربية والعالمية عشرات الكتب في الشعر والرواية والقصة القصيرة والدراسات الفكرية والترجمات، إلى جانب إسهاماتهم في السينما والمسرح والغناء والفنّ التشكيلي. ذلك كلّه شكّل حالةً ثقافيةً سوريةً واضحةَ الملامح، وكان لها صدىً واسع في المنابر الثقافية الدولية.
أسهم مثقّفو سورية في الخارج، بالتعاون مع زملائهم من مناصري الثورة في الداخل، في الحفاظ على البعد الثقافي المدني للانتفاضة السورية، وفضح آليات القمع والإجرام الأسدي عبر منتج ثقافي وفنّي وأدبي سيظلّ شاهداً على 14 عاماً مثقلةً بالأحداث الكبرى والمتغيّرات العميقة التي ستترك أثراً بالغاً في مستقبل سورية. ولا مبالغة في القول إن الغالبية العظمى من مثقّفي سورية في الخارج كانوا بانتظار لحظة العودة للمساهمة في إعادة بناء المجتمع والثقافة التي تهشّمت خلال سنوات الحرب والدمار. كانوا يدركون أن سورية بعد رحيل الأسد ستحتاج إلى جميع أبنائها، وخصوصاً مثقّفيها وفنّانيها ومفكّريها. فبناء سورية جديدة يحتاج جهداً جماعياً لا يمكن لأيّ فئة أن تغيب عنه، وللثقافة دور كبير في عملية البناء هذه؛ ومن دونها سيُبنى مجتمعٌ هشٌّ لن يستطيع الصمود أمام الهزات التي تحدث عادةً في المجتمعات المشابهة.
لكن ما حدث بعد سقوط النظام، مع استلام هيئة تحرير الشام الحكم، وظهور حالة استقطاب طائفية مريعة في بعض المناطق، أنتج انقسامات كبيرة في الداخل السوري، وانقسامات بين مثقّفي الثورة أنفسهم في الداخل والخارج، حتى بات أصدقاء الأمس كما لو كانوا أعداء اليوم، يتبادلون الاتهامات ويقطعون روابط جمعتهم قبل الثورة (ولم تكن صاحبة هذه السطور مستثناةً من هذا الاستقطاب). كما ظهرت اصطفافاتٌ جديدةٌ مؤسفة تميّزت بإقصاء مفهوم المواطنة لصالح مفاهيم تقلّل من الانتماء الوطني، وتُقصي البعدَ الثقافي الصالح لأن يكون هُويّةً متينةً وأصيلةً وجامعةً للمثقّفين.
كان بالإمكان، في الوضع الثقافي الراهن، أن يمثّل معرض دمشق الدولي للكتاب، في نسخته ما بعد الأسد، جرعة أمل للثقافة السورية، وأن يكون بوتقةً تعيد جمع المثقّفين المنكفئين على انتماءاتهم الحالية تحت مظلّة الثقافة السورية العريقة التي أسهم الجميع في تعزيز مكانتها. كان ينبغي أن نكون، في هذه المناسبة، جميعنا الآن في دمشق، كلٌّ حسب ظروفه اللوجستية؛ لا أن نكون ضيوفاً على المعرض ودمشق، الوطن لنا جميعاً، بل أن نكون أهل هذا الحدث وأبناءه وبناته. كان ينبغي أن توجه وزارة الثقافة الدعوات إلى جميع كتّاب سورية ومثقّفيها في الخارج للحضور والاجتماع معاً، وردم تلك الفجوة الكبيرة التي حدثت بينهم، وإلغاء الاستقطاب ما قبل الوطني، والتعامل مع اختلافاتهم بوصفها حالةً صحّيةً ستسهم في تعافي سورية وطناً ومجتمعاً وثقافة.
كان ينبغي لوزارة الثقافة أن تكون نقطة البداية لإعادة صياغة عقد ثقافي جديد، مؤسَّس على المنجز السابق الكبير، بعيداً من الاعتبارات ما دون الوطنية، محتفيةً بالثقافة السورية الحرّة والمتنوّعة والثرية كما يليق بثورة 2011 التي أوصلت من هم في مراكز القرار اليوم إلى مواقعهم. كان ينبغي أن يكون معرض الكتاب الأول بعد سقوط الأسد اختباراً لدور الثقافة في بناء وحدة وطنية حقيقية، لا مجرّد احتفالية تغطّي فجوةً كبيرةً في المجتمع من دون محاولة ردمها.
لكن التغيير في سورية لم يقترب من الجوهر، بل بقي سطحياً عبر استبدال نهج بنهج وأشخاص بآخرين مشابهين، بينما بقيت المنظومة السلطوية كما هي: الشللية والمحسوبيات والولاء للسلطة، بما في ذلك السلطة الثقافية، والقرب من أصحاب القرار، والقدرة على الإقصاء والتجاهل والتمييز والاستقطاب، لا وفقاً للمنجز والقيمة والتاريخ، بل وفقاً للمعرفة الشخصية والأيديولوجيا والتمايز الوطني (الثوري حالياً). وهذا يتّضح جليّاً في الأداء الثقافي الذي كان ينبغي أن يكون أكثر استقلالية، لأن الثقافة هي البوتقة الوحيدة التي يمكنها احتضان الاختلافات كلّها وإعادة إنتاجها لمصلحة مفاهيم ثقافية مضادّة للإقصاء والهيمنة، ومتوافقة مع التنوّع والتعدّدية والاختلاف الإيجابي.