فرصة أضاعها خصوم "الجزيرة"

فرصة أضاعها خصوم "الجزيرة"

02 نوفمبر 2021
الصورة

موظف في مكتب "الجزيرة" بالرباط يفكك لافتته بعد وقف السلطات المغربية عمله (4/11/2010/Getty)

+ الخط -

أرطالٌ من المدائح أُغرقت بها قناة الجزيرة منذ إطلاقها قبل 25 عاما، تستحقّ كثيرا منها. ورُميت بأرطالٍ أخرى من الانتقادات والمؤاخذات (دعك من الاتهامات)، بعضٌ كثيرٌ أو قليلٌ منها في محلّه. وفي مناسبة اليوبيل الفضي للقناة العتيدة، ليس من الكياسة أن ينشغل واحدُنا بتعداد هذه أو تلك، ليس فقط تجنّبا للتكرار وقول المعهود والمأثور، وإنما أيضا لأن كثيرا مهمّا أحدثته "الجزيرة" في الفضاء الإعلامي العربي في سنواتها هذه، فيما لكلٍّ منا زوايا رؤيته، يحدّد من خلالها ما يجدها أسبابا لعدم رضاه عن أداء القناة في هذا الملفّ أو غيره، في أدائها العام كليا، أو جزئيا، ولكل منا مزاجه وميوله. الأجدى هو الاكتراثُ بما كان من شأن الحكومات العربية مع "الجزيرة". معلومٌ أنها في الأسابيع الأولى استقبلت الفضائية الشهيرة بارتيابٍ وقلة ارتياح، ما مضى تاليا، عند حكوماتٍ غير قليلة، إلى عداءٍ تطوّر إلى استهداف، وخوض حروبٍ إعلاميةٍ معها (عبثية كما اتضح لاحقا) وأرشيف هذه العلاقة، المطبوعة بالتوتر غالبا، ثقيل، فثمّة سحبُ سفراء من الدوحة وإغلاق مكاتب "الجزيرة" في غير بلد عربي والتضييق على مراسليها ومنع عملها .. إلخ. وذلك كلّه يعود إلى اتّساع المسافة بين نظرة القناة إلى الإعلام ووظيفته ونظرة تلك الحكومات العربية إليهما. بين رؤيةٍ منحازةٍ إلى التعدّدية والتنوّع والانفتاح وأخرى تغلّب الرسمية والبروتوكولية والسلطوية والأحادية على الاحتياجات الحقيقية التي يلحّ عليها المواطن العربي، ويفتقدها في إعلام بلده الحكومي وشبه الحكومي، والاستثماري الخاص في حالات معلومة.
ما كان شديدَ الضرورة من خصوم "الجزيرة" أولئك، بما أنهم وضعوا مناهضتها أولوية، أن ينشئوا مؤسساتٍ إعلاميةً أفضل منها، أو تنافسها، لتتفوّق عليها، وأن يتخفّف إعلامهم من الإفراط في طقوسيات التمجيد المصطنع للرئيس والحاكم، أن يطلقوا مساحاتٍ من الحرية لإعلامٍ مواز، إذا لم يكن ممكنا أن يغادر الإعلام الرسمي رسميّته وتقاليده. كتب من كتب في السنة الأولى لقناة الجزيرة إن على الدولة العربية التي لا تعجبها هذه القناة، وتمتعض منها، أن تنشئ أخرى أحسن منها، أن تزيح عيون ملايين النظّارة العرب عنها إلى قناةٍ تُجيد الإعلام ومهاراته، وتتيح للنخب من مواطنيها أن تناقش على شاشة هذه القناة البديلة ما تم تسطيرُه محظورا سياسيا. وإذا بدا أمرٌ كهذا مستحيلا، كان في الوسع أن تنافس فضائياتٌ جديدةٌ، بالمهنية المطلوبة، "الجزيرة" في غير أمرٍ لا يتّصل بما "حسّاس" بشأن السلطة ومنظوماتها في البلد "المموّل". وهنا يتذكّر بعضُنا أن شيئا من المنافسة الجيدة لوحظت بين فضائية أبوظبي و"الجزيرة" في غضون حرب احتلال العراق والانتفاضة الفلسطينية الثانية، وأن برامج حوارية، ذات جاذبيةٍ في تنوّع قضاياها، كانت تُتابَع على شاشة "أبوظبي"، كان لها جمهورها الذي يفضّلها على مثيلاتٍ لها في "الجزيرة". ولمّا دخلت قناة العربية المشهد، استُقبلت برهان أن تكون تنويعا نوعيا في خريطة إعلامٍ عربيٍّ جديد، وإنْ مع التسليم المسبق بسقوفٍ، في غير شأنٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ وثقافي، ليس في الوسع تجاوزها. ولكنها شهور أو عامان على الأكثر، حتى خيّبت القناتان تلك الرهانات والانتظارات، لمّا استعيدَتا، وبشكل نافر، إلى ما يحثّ على الازورار عنهما.
خاض نظام حسني مبارك مع "الجزيرة" أكثر من حرب، لكن الفضائيات المصرية، وفيها كفاءاتٌ وخبرات، لم يُتَح لها أن تخوض منافسةً مهنيةً مع القناة "المعادية" (وغيرها). ثم جذبتنا، في أسابيع ثورة يناير والشهور التي تلتها، شاشاتٌ مصريةٌ إلى متابعتها، وأبهجتنا الروحية المستجدّة، واستبشرنا بأن إيقاعا آخر حيويا سيشدّنا في الإعلام المصري التلفزيوني، غير أنها شهورٌ وحسب، حتى صارت "الردّة" البائسة، مع انتعاش الثورات المضادّة في العالم العربي، فصرنا نلقى فائضا من الركاكة في الشاشات الإخبارية المصرية. وفي موازاتِه، صرنا نشاهد، على شاشاتٍ عربيةٍ أخرى، انحطاطا في رداءاتٍ لم تكن متخيّلةً يوما، من قبيل ترويج إسرائيل، وخطاباتٍ عدائيةٍ تجاه الشعب الفلسطيني، في "العربية" و"أبوظبي" ومثيلاتٍ لها تناسلت. وفي أوهام القائمين على هذه الشاشات أنهم يقدّمون للمشاهد العربي إعلاما "غير شعبوي" كالذي تسوّقه "الجزيرة".
قصارى القول، هزم خصوم "الجزيرة" في الأعوام الخمسة والعشرين الماضية أنفسَهم، عندما لم يحاربوا هذه القناة بتقديم إعلامٍ آخر غير التعيس الذي واصلوه. لقد فوّتوا فرصة أن يغلبوها، أقلّه لو احترموا عقول الناس، لكنهم لم يفعلوا، فبقيت "الجزيرة" في موقعها.