فرحة النجاح التي وصلت متأخّرة في غزّة
طالبة تحتفل بنجاحها في امتحان الثانوية العامة داخل مخيم في غزّة (24/7/2026 الأناضول)
لا يمكنك أن تسترجع التاريخ من دون أن تذكر واحدة من صفاته أو من عاداته القميئة، أنه يهوى أن يعيد نفسه مهما كان مؤلماً وظالماً، وقد تأكدت من هذا مع ما يعيشه هذا الجيل من أهل غزّة، وبعد مرور ثلاثة أرباع قرن على النكبة الأولى في 1948. أما ما بين النكبتين، فهناك محطّات مؤلمة لا نزال نحن الذين أصبحنا أجداداً لأحفاد صغار نجتر تداعياتها ونذكر تفاصيلها، ومن هذه المحطّات مأساة نتائج التوجيهي في القطاع إبّان انتفاضة الحجارة، حيث كنّا ندرس المنهج المصري أولاً، ولكن المشكلة الكبرى كانت عدم قدرتنا على الانتظام في المدارس، وبالتالي، تدنّي معدلاتنا التي كنا نأمل أن تكون ختاماً لسنوات التفوق السابقة، وقد جمعت وقتها فعليّاً عدد الأيام التي داومت فيها في المدرسة، عندما كنت طالبة في صف التوجيهي، فلم تزد على 50 يوماً طوال العام، ولم تكن موجة الدروس الخصوصية قد ظهرت بعد في غزة، ما جعلني أعتمد كليّاً على قدراتي في المنزل، ما أدّى إلى حصولي على معدّل مخيب للآمال.
إذا كنت أستذكر دوماً هذه الخيبة الشخصية، حين أرصّ شهادات تفوقي الدراسية في الصفوف السابقة مع شهادة التوجيهي ذات المعدل المتواضع، فهذه الكارثة، كما كنت أراها سابقاً، لا تساوي شيئاً أمام مأساة طلاب التوجيهي للعام الثالث على التوالي خلال حرب الإبادة، حيث تقدم الآلاف منهم للامتحانات في خيامهم وعلى أنقاض بيوتهم المدمرة.
اليوم، وصدقاً وبكل خجل، أعترف أن ما حدث معي لا يعادل حزن الطلاب ولا مأساة ذويهم، وذلك مع إعلان نتائج التوجيهي في قطاع غزّة، حيث تقدّم للامتحان نحو 36 ألف طالب وطالبة. وفي ظروف لا يمكن أن توصف بأنها إنسانية، وحيث إن هناك أسماء لطلاب حصدوا معدلات مرتفعة، ولكن الموت لم يمهلهم لكي يحتفلوا بتفوّقهم مع أحبتهم، فمنهم من قُتل قبل إعلان النتائج، ومنهم من داهمه الموت قصفاً بعد أن تقدّم للامتحانات بأيام. أما الفاجعة الكبرى، فهناك من قُتل وهو في طريقه للتقدم للامتحان، كما حدث مع الطالبة رغد عاشور، فهي لم تتقدّم سوى لامتحان مادتين فقط، وانتهت أحلام أمها بابنتها الوحيدة اليتيمة حين باغتها القصف، وهي في طريقها للتقدم للامتحان في مكانٍ لا يملك أياً من مقوّمات قاعات الامتحانات المعتادة سوى أنه يرتبط بشبكة الإنترنت.
أما الفاجعة فهي مقتل أكثر من طالب قبل إعلان النتائج بأيام، والفاجعة الأكبر مقتل الطالب الذي لم تكتمل فرحته، حيث توجه لابتياع بعض الحلوى ليوزعها على رفاقه وأحبته الذين وفدوا إلى خيمة أهله للتهنئة بنجاحه، فداهمه قصفٌ غادرٌ ولم يعد، وتوقفت فرحة النجاح عند قبر بارد كان ينتظر طالباً قد نجح للتو في امتحانات التوجيهي.
إذا كانت غزّة قد أعلنت عن فرحتها بنجاح أبنائها في امتحانات التوجيهي، فهذه الفرحة منقوصة، إذ افتقد كثيرون من الأهالي أبناءهم الراحلين، وتفيد إحصائيات صادرة عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بأن نحو ألف طالب وطالبة من مرشّحي التقدم لامتحانات الثانوية العامة استشهدوا في قطاع غزّة خلال الحرب قبل تفوقهم أو إعلان نتائجهم على مدى ثلاث سنوات تعليمية ضائعة، فيما كان من المفترض عموماً أن يتقدم 106 آلاف طالب وطالبة لامتحانات التوجيهي على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، ولكن هذا العدد لم يتقدم بسبب ظروف الحرب، ففقدوا مستقبلهم وضاعت سنوات من أعمارهم، وفيما يبقى الناجحون اليوم في خيامهم وفي مراكز إيوائهم بلا مستقبل فعلي في ظل إغلاق المعابر ومنع سفرهم للدراسة في الخارج، وفيما تعجز الجامعات المحلية عن استيعابهم وتوفير الفرص الجامعية المناسبة لتطلعاتهم مع انهيار قطاع التعليم عموماً في القطاع، وتحوّل المدارس والجامعات إلى مراكز إيواء للنازحين والمشرّدين، لتبقى فرحة النجاح في التوجيهي ساعات، ويبقى المستقبل المجهول والموت المحدق سيّدَي المشهد في أجواء القطاع.