فتح أم حماس؟.. التجربة والمسارات

11 يناير 2026
+ الخط -

يضيء كتاب معين الطاهر ومنى عوض الله "مسارات صعبة.. الحركة الوطنية الفلسطينية في سيرة صلاح خلف (أبو إياد) 1933-1971" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2025) على جوانب مهمة ورئيسية، ليس في سيرة أحد أهم القادة المؤسسين لحركة فتح فحسب، وهو صلاح خلف (أبو إياد)، بل على مراحل مهمة ورئيسية في القضية الفلسطينية وظروف تأسيس حركة فتح والمراحل المبكرة والنقاشات الداخلية العاصفة وعلاقتها بمنظّمة التحرير والأنظمة الرسمية العربية.

يأتي هذا الكتاب مبنياً ومرتباً بدرجة كبيرة بمشروع مهم بدأ به منذ أعوام المركز العربي في توثيق الذاكرة الفلسطينية، من خلال تجميع الوثائق والشهادات والأدبيات المتعلقة بالتاريخ الفلسطيني، ويمثل الجزءَ الأول، وستلحقه أجزاء أخرى تستكمل المراحل التالية من سيرة أبي إياد، الذي استشهد في 1991 اغتيالاً في تونس. ويأتي أيضاً بعد فترة قصيرة من إصدار أحمد جميل عزم كتاب عن سيرة قائد آخر من القيادات المهمة في حركة فتح، أيضاً، وهو كمال عدوان، وصدر أيضاً عن المركز العربي، وقد اغتيل هو الآخر على يد الموساد في 1973 في بيروت.

كلا الكتابين، بلا شك، يثري الذاكرة الوطنية الفلسطينية، بخاصة ما يتعلّق بحركة فتح، والمراحل المبكرة منها، وتحديداً عندما كانت تتبنّى خيار المقاومة المسلّحة، قبل التحول نحو أفكار الحل المرحلي ومشروعاته، ثم التسوية السلمية في التسعينيات، وصولاً إلى الحالة الراهنة لحركة فتح التي باتت تمتزج فيها بالسلطة الفلسطينية، وتتخلى تماماً عن فكرة المقاومة المسلّحة، كما أكّد، مراراً وتكراراً، الرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس.

هذا المجهود الكبير من الباحثين والخبراء، بخاصة ما يرتبط بمشروع الذاكرة الفلسطينية، أمر مهم، ويمثل بنية رئيسية في توثيق التاريخ الفلسطيني، مع تجميع رواياته وتأطيرها بصورة متكاملة، ويقدم لنا صورة أكبر وأعمق عما حدث سابقاً. ولكن من المهم أيضاً في المرحلة التالية، وبالتوازي مع مشروع التوثيق، الانتقال من توصيف ما جرى إلى تفكيك المسارات وتحليلها والمراجعة النقدية المعمقة للتطورات والتحولات التي شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية، بداية من حركة فتح وصولاً اليوم إلى حركة حماس، التي تتبنّى خيار المقاومة المسلحة، منذ الانتفاضة الفلسطينية في عام 1987، ومنذ مرحلة حروب العصابات والعمليات المسلحة التي كانت تقوم بها حركة فتح، والعمليات الخارجية العسكرية التي كانت تقوم بها منظمات فلسطينية أخرى إلى طوفان الأقصى وما تلاها من تحوّلات فلسطينية وإقليمية كبرى.

يفتح الكتاب الذي بين أيدينا باباً واسعاً من الأسئلة والتساؤلات التي من المفترض أن تحتل مساحة واسعة من تفكير النخب المثقفة والسياسية، فلسطينياً وعربياً، اليوم؛ بخاصة عندما نعود ونقرأ تحولات أبي إياد نفسه، من فتى له أصدقاء من اليهود، ومن ثم اعتقاله على خلفية نشاطه وهو في سنّ صغيرة، فعلاقته بالإخوان المسلمين، وتأسيس حركة فتح ونهج النضال المسلّح والجهاد، ولاحقاً القبول بالحل المرحلي، قبل اغتياله في تونس. وهنالك صور مهمة أخرى عن ياسر عرفات وفاروق القدومي ومحمود عباس وعديدين ممّن أسسوا فتح، وكانوا من المؤمنين بالعمل المسلّح حصرياً، ثم انتقلوا إلى العمل السلمي، ولاحقاً كأبي مازن انتهى بهم المطاف في رام الله في سلطة فلسطينية هشّة لا صلاحيات ولا سلطات حقيقية لها... مثل هذه التحولات على صعيد الشخصيات وتفكيك السرديات والخطابات مهم جدّاً لفهم العوامل والمتغيرات والديناميكيات والبناء عليها لنعرف ما احدث صواباً وما حدث خطأً.

الأسئلة الأخرى المهمّة متعلّقة بالمقارنة بين مسارات حركة فتح، سابقاً، كحركة تتبنى العمل المسلّح، وحركة حماس، لاحقاً، التي مارست الخيارات والمسارات نفسها، لكنها اليوم تجد نفسها محاصرة محلياً وإقليمياً وعالمياً، ومضطرّة إلى اجتراح خيارات وحلول مختلفة للتعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة، إن كانت تريد البقاء على قيد الحياة، مقارنة بحركات تحرّر وطني أخرى في العالم؛ لتحليل عوامل الاتفاق والاختلاف فيما بينها، ومراجعة الحلول والإمكانات، وكيف يمكن إعادة التفكير في الخطاب الفلسطيني الكفاحي الوطني الجديد؛ كي يتجاوز الانسداد الحالي، سواء في مسارات التسوية السلمية المغلقة أو المقاومة مع الاختلال الفجّ الكبير في موازين القوى العسكرية والاستراتيجية.

محمد أبو رمان
محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع.