فاكهة المونديال بين السراب و"الآل"

19 يوليو 2026

ياسين جسيم بعد خسارة المغرب أمام فرنسا في بوسطن في المونديال (9/7/2026 فرانس برس)

ميّز الشعراءُ العرب بين السراب النهاري و"الآل" الذي يرتفع صباحاً ومساءً كأنه بحيرة معلّقة فوق الرمل، يركض نحوها الظمآن فتتراجع بقدر ما يتقدّم، لا لأنها تهرب منه، بل لأنها -وهذا بيت القصيد- لم تكن يوماً خارج عينه أصلاً. ليس السراب خديعة تُرتكب ضد الرائي، بل هو الرائي نفسه، وهو يُسقِطُ عطشَهُ على الأفق فيتوهّمه ماءً. عاش تانتالوس في الأسطورة اليونانية هذا الإحساس وهو يقف في بحيرةٍ يصلُ ماؤُها إلى ذقنه وفوقَهُ أغصانٌ مثقلة بالفاكهة، وكلما مدّ يده للقطف، تراجعت الثمرة، وكلما انحنى ليشرب، انحسر الماء. ذاك بالضبط ما فعله مونديال 2026 بالمنتخبات العربية والأفريقية: لم يكن حرماناً فُجائياً بقدر ما كان تكراراً مأساوياً لعقاب الاقتراب الدائم من دون الوصول.

أثبت منتخبا مصر والمغرب جدارةً فائقة ونديّةً اعترف بها العالم كلّه، فلماذا لم يقطعا الطريق إلى النهاية؟ كان منتخب المغرب، المُمثّل العربي والأفريقي الوحيد الذي بلغ ربع النهائي للمرة الثانية على التوالي، قادراً على الانتصار أمام فرنسا، لكنّه لم يحوّل تلك القدرة إلى إنجاز. تقدّم المنتخب المصريّ بهدفين نظيفين أمام الأرجنتين حتى الدقيقة الثمانين، أي إنه كان على بعد عشر دقائق من إنجاز تاريخي، قبل أن ينهار السراب بين يديه. أربعة منتخبات أفريقية أخرى (جنوب أفريقيا وكوت ديفوار والكونغو الديمقراطية والسنغال) سقطت جميعها بما بات يُوصف صحافياً بلعنة "هدف ما بعد الدقيقة الـ85"، أي إنها لم تُهزم بفارق المستوى، بل بفارق الدقائق الأخيرة التي يتبخر فيها الأفق كله.

ليس سؤالنا هنا: "لماذا خسرت هذه المنتخبات؟"، فالإجابة التقنية معروفة ومتشابهة بالنسبة إلى معظمها. السؤال الحقيقي: لماذا تُتاح "الفاكهة" دائماً لهذه المنتخبات إلى هذا الحد القريب قبل أن تُسحب؟ قد يتجاوز هذا "الاقترابُ المزمنُ من الإنجاز" المصادفةَ الإحصائية، ليشير إلى بُنيةٍ زمنية بعينها، شبيهة بما تصفه نظرياتُ ما بعد الاستعمار بغرفة الانتظار التاريخية، حيث يُسمح للأمم المُستعمَرة سابقاً بأن "تلحق بالحداثة من دون أن تلحق فعلاً بها". أي إنّ الفريق العربي أو الأفريقي لا يُهزم لأنه أضعف، بل لأن السردية العالمية بحاجةٍ إلى إبقائه في وضعية "الواعد الأبدي" لا "المتوَّج الفعلي".

هذا بالضبط ما يجعل السراب أقسى من عقاب تانتالوس اليوناني. تانتالوس ضحيةُ إلهٍ غاضب يعاقبه من الخارج، أما ظمآن السراب فضحية عطشه هو، أي ضحية إيمانه بأنّ الوصول إلى "الفاكهة" لا يحتاج منه إلى جهد وعمل واستراتيجيّة وتكتيك، بل هي على ذمّته "عن استحقاق"، وأنّ "الماء" موجودٌ أصلاً في مكانٍ ما، وهو في انتظاره.

المفارقة الأكثر إدهاشاً جاءت من فرنسا نفسها. الإمبراطورية الكروية التي بنت مجدها على ثروة استعمارية متجدّدة من مواهب الجاليات الأفريقية والمغاربية (زيدان، بنزيمة، مبابي، ديمبيلي، باركولا، تشواميني)، سقطت هي الأخرى في نصف النهائي أمام إسبانيا 2-0، لتخسر أول مباراة إقصائية لها في المونديال منذ ربع نهائي 2014، في ما وصفته الصحافة الفرنسية بالهزيمة المذلة.

في مثل هذه الوضعيّات، لا نحتاج فرويد بقدر ما نحتاج ابن خلدون زائداً سيوران: إنّها عودة المكبوت لحظةَ "تراخي" العصبيّة: الفاكهة نفسها التي قطفتها فرنسا تاريخيّاً من مستعمراتها لم تعد حكراً عليها. لقد تعلّمت أوروبا كلها، وفي مقدّمتها إسبانيا، كيف تَقطف تلك الثمرة من الشجرة نفسها، فانقلبت الإمبراطورية من قاطفة إلى مقطوف منها، ومن صياد إلى فريسة. هنا يكتمل الدرس القاسي: إذا كانت المنتخبات العربية والأفريقية تتعرّض لعقاب تانتالوس (الاقتراب الأبدي من الثمرة من دون قطفها) فإن فرنسا تتعرّض لعقاب من ظن أن الثمرة ملكه إلى الأبد، لمجرّد أنه زرع الشجرة على أرض غيره.

أكثرُ النقاط إدهاشاً في الوضع كلّه، أن السراب الذي ركضت خلفه المنتخبات العربية والأفريقية طوال البطولة، والغرور الذي ظنته فرنسا ماءً دائماً في قبضتها، هما وجها العملة النفسية عينها التي تُوهِم بالثبات في عالم لا يعرف إلا الحركة. من ثمّ يكتشف الجميع أن الهزيمة والانتصار في هذا المونديال لم يكونا نقيضَين، بل درجتَين من درجات السراب الواحد: سرابُ من يركض نحو ماء لم يوجد بعد، وسرابُ من يظن أن الماء الذي بين يديه لن يجف أبداً.