غنم اللقاحات .. وغرم الصراعات في تونس

غنم اللقاحات .. وغرم الصراعات في تونس

18 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

أمام أزمة وبائية حادّة، حوّلت تونس، من شمالها إلى جنوبها، إلى رقعة جغرافية حمراء حصد فيها فيروس كورونا ومشتقاته قرابة العشرين ألفا من أرواح التونسيين والتونسيات، يقف الجميع اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما. إما إيجاد حل عاجل للأزمة السياسية يتنازل فيه رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة عن نرجسياتهم، متجاوزين تضخم الأنا وفانتزمات السلطة في كل منهم، ليجلسوا إلى حوار جاد وفاعل بدون شروط مسبقة، من أجل مخرجات عملية وواقعية، أو أن تتجه البلاد إلى انفجار لا أحد يتوقع شكله ونتائجه، وما سيبقي من صورة الدولة وهيبتها ومؤسساتها.

بعد استفحال الوباء وانتشار رائحة الموت وصور العجز إزاء إنقاذ ما تبقى من أرواح التونسيين، وإزاء الإرباك السياسي والاتصالي بين خطاب انهيار المنظومة الصحية في البلاد وخطاب مضاد يلوّح بانتصار قادم على عدو شرس في حربٍ بدون أسلحة وعتاد، يواصل السياسيون صراع الاستقطاب ومعارك كسر العظام منذ ستة أشهر. وفي الأثناء، يُخشى أن تتحوّل المساعدات الدولية من لقاح ومعدّات طبية إلى وقود للمعركة القائمة بين أجنحة السلطة، يسعى فيها كل طرفٍ إلى تسجيل نقاط لصالحه على حساب الطرف الآخر. ويُجمع المتابعون على أن هبة التضامن العربي والدولي مع تونس، لمساعدتها على الخروج من دوائر الوباء، قد دخلت، هي الأخرى، دائرة الاستثمار السياسي بين قرطاج، حيث قصر رئاسة الجمهورية، والقصبة (رئاسة الحكومة) وقصر باردو الذي يحتضن مجلس نواب الشعب، فقد اشتد التنافس السياسي لجلب التلاقيح والمعدّات الطبية من أوكسجين ومشاف ميدانية وغيرها.

وكان الحصاد متميزا من دول شقيقة وصديقة، لكنه لم يخف حجم التضخيم الإعلامي والبروباغندا التي انتهجتها الأطراف المتدخلة في جلب المساعدات، وفي مقدمتها ما أنتجته الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية لترويج صورة الرئيس قيس سعيد، إثباتا لأسبقيته في سباقه ضد خصومه السياسيين، وخصوصا رئيسي البرلمان راشد الغنوشي والحكومة هشام المشيشي، فقد قال الملحق في الدائرة الديبلوماسية برئاسة الجمهورية، وليد الحجام، إن رئاسة الجمهورية لم تتأخر في لعب دورها الدبلوماسي لجلب التلاقيح، "حيث تكثف عملها الدبلوماسي في ظرف تسعة أيام فقط، وقد وصلت المساعدات بكثافة بعد تدخل رئيس الجمهورية شخصيا".

تلميح ثم تصريح من رئاسة الجمهورية باتجاه مرمى الحكومة، تتهمها، مع رئاسة البرلمان، بالتشويش على العمل الدبلوماسي لرئاسة الجمهورية والتدخل في صلاحيات الرئيس

وروّجت صفحة رئاسة الجمهورية ما معناه أن دور رئيس الجمهورية يكون عادة لدعم الإجراءات التي تتخذ على المستوى الحكومي، وهناك هياكل مهتمة بالشأن الحكومي والصحي "ومن المفروض أن تكون اتصالات رئيس الجمهورية لتدعيم الجهد الوطني بمعنى ان الجرعات التي وصلت إلى تونس كان يجب أن تكون للتعزيز لا للتأسيس"، تلميح ثم تصريح من رئاسة الجمهورية باتجاه مرمى الحكومة، تتهمها، مع رئاسة البرلمان، بالتشويش على العمل الدبلوماسي لرئاسة الجمهورية والتدخل في صلاحيات الرئيس.

وعلى إثر رسالة نشرها الغنوشي على صفحته الرسمية، شكر فيها الجزائر على دعم تونس في أزمتها الصحية، سارع رئيس الجمهورية إلى نفي أي دور لغيره في هذا المجال، مؤكدا أنه من كان وراء المساعدات الجزائرية. وعلى إثر وصول طائرتين محملتين بـ 250 ألف جرعة من التلاقيح والمعدات الطبية قادمتين من الجزائر، نشرت الرئاسة أن هذه المبادرة "تندرج في إطار تجسيد ما تم الاتفاق بشأنه في المحاثة الهاتفية التي جمعت رئيس الجمهورية قيس سعيد بفخامة الرئيس عبد المجيد تبون". وذلك ما انسحب على المساعدات الإماراتية والسعودية والمصرية وغيرها... والتي تقول الرئاسة إنها جاءت تجسيدا للمحادثات الهاتفية التي قام بها رئيس الجمهورية. والملاحظ ما نشرته صحيفة الصباح التونسية، في عددها ليوم 15 يوليو/ تموز الحالي، أن الرئاسة لم تشر إلى المساعدات القطرية، وهي مستشفى ميداني ومئتا سرير مجهز بجميع المستلزمات الطبية بالإضافة إلى مائة جهاز تنفس اصطناعي. وقد اكتُفي ببيان على صفحة رئاسة الحكومة، بعد لقاء السفير القطري سعد ناصر الحميدي بالمشيشي. كما لم تحظ دولة الكويت وكوريا الجنوبية والمملكة المغربية والصين بأي تنويه أو حضور على صفحة رئاسة الجمهورية أو الصفحات القريبة من قيس سعيد.

الخوف كل الخوف اليوم أن تواصل الأطراف المتصارعة استثمارها في أزمة كورونا، وأن يتحول جلب اللقاح والمعدّات الصحية إلى وقود لهذا الصراع

وفي غمار هذا الاستثمار السياسي الواضح للوضع الصحي للبلاد، وما تبعه من تضامن من أشقاء تونس وأصدقائها، يرى متابعون أن قيس سعيد قد نجح، في أيام قليلة، في تغيير جذري لصورته التي اتسمت خلال الأشهر الأخيرة، وعلى امتداد معاركه مع رئيسي البرلمان والحكومة بالتهديد والتأويل وإطلاق الصواريخ. كما يواصل رئيس الحكومة، هشام المشيشي، مطالبة الجميع بتوحيد الجهود وترك الصراعات الشخصية جانبا، وحشد الإمكانات والمساعدات، للخروج من الأزمة الصحية الحادة وتداعياتها في أقرب الآجال، حتى تلتفت الحكومة إلى مواجهة الأوضاع الصعبة في البلاد، والمتّسمة بشح المالية العمومية والأزمات الاجتماعية والاقتصادية. وكان المشيشي قد أعلن رفضه بشدة أن المنظومة الصحية قد انهارت أمام الجائحة وتداعياتها، ردا على ما قالته الناطقة باسم وزارة الصحة نصاف بن علية في تصريح لها كان له الأثر السلبي الشديد على الجميع. وأمام استمرار التسريبات عن إمكانية إقالة رئيس الحكومة وزير الصحة فوزي المهدي، وتغييره بعبد اللطيف المكي، وزير الصحة في حكومة إلياس الفخفاخ، المنتمي لحركة النهضة، طالبه حكماء وحقوقيون بالإبقاء على وزيره، إذ تقتضي الحكمة عدم تغيير قائد المعركة في غمرة حرب عاتية تدور رحاها بشدة.

وفي المقابل، وفي سياقات هذا الوضع المازوم، تواصل حركة النهضة، بقيادة راشد الغنوشي، مع بقية مكونات الحزام السياسي للحكومة (قلب تونس وائتلاف الكرامة خصوصا) السير باتجاه الحكومة السياسية، وهو أمر سوريالي وفاقد الحد الأدنى من الواقعية السياسية أمام ما تردت فيه البلاد من أزمة وبائية قاسية، لا أحد يمكنه التكهن كيف ستكون نهايتها ومتى. والخوف كل الخوف اليوم أن تواصل الأطراف المتصارعة استثمارها في أزمة كورونا، وأن يتحول جلب اللقاح والمعدّات الصحية إلى وقود لهذا الصراع، إذ يقتضي الحال أن يتخلى الجميع عن الصراع وأسبابه، بما في ذلك المزايدات والمناكفات، والاستثمار في الأزمة الوبائية والهبّة التضامنية من الأشقاء والأصدقاء، إذ يخشى متابعون أن تواجه آمال التسوية السياسية عقبات جديدة، بعد الإنجازات التي يعتقد قيس سعيد أنها تحققت له بفضل مساعيه ومبادراته أخيرا لجلب التلاقيح والمعدّات الصحية. وكذلك ما أبدته الإدارة الصحية والمؤسسة العسكرية عموما من نجاعة وفاعلية في مكافحة الجائحة.

35FE487F-4A9A-4B25-8DF9-AF430105714E
محمد أحمد القابسي