غليان المشهد السياسي المغربي

غليان المشهد السياسي المغربي

10 يونيو 2021
الصورة

ثلاثة أعلام مغربية في الرباط (Getty)

+ الخط -

تجري في المشهد الحزبي المغربي، منذ أشهر، حركة مرتبطة بأفق الاستحقاقات التشريعية المقبلة (أكتوبر/ تشرين الأول 2021)، إذ تعرف مكوِّناته كثيراً من المواقف المتضاربة وكثيراً من الغليان. يبرز ذلك في ارتفاع وتيرة الصراع بين أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة، بل تعدّت درجة الغليان الثنائية المذكورة، ورسمت مظاهر أخرى شملت، بدرجاتٍ من التفاوُت، مختلف مُكَوِّنات المشهد السياسي المغربي، الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الاجتماعية والحقوقية. وتتخلل الراهن المغربي، في أبعاده المختلفة، عواصف جائحة كورونا، في صورها المرتبطة بالتدابير والإجراءات الصحية، وبمختلف الآثار التي ترتَّبت عنها في الاقتصاد والمجتمع. كما تتخلَّلته نقاشاتٌ مرتبطةٌ بالتقرير الذي أعدَّته اللجنة المكلَّفة بالنموذج التنموي، لتجاوُز مآزق الخيارات التنموية التي تَمَّ تنفيذها في العقدين الماضيين، وترتَّب عنها تراجعٌ واضحٌ في مسلسل التقدّم والعدالة والتنمية.
وسط مظاهر الغليان ذات الصبغة الانتخابية، لا نعثر في أدبيات الأحزاب على ما يبرز كيفيات تصوُّرها للِاَّمتوقع من الظواهر والأحداث... وهي لم تتمكَّن من بناء ما يُطوِّر أداءها السياسي، في ضوء المتغيرات المرتبطة بموضوع الجائحة وتبعاتها، وكأنّ أَمرَ تدبير اللاَّمتوقَّع لا علاقة له بالسياسات العامة... واليوم، نلاحظ أنّ النقاش المفتوح في وسائط التواصل الاجتماعي في موضوع تقرير النموذج التنموي بدأ يتجاوز المخاتلات وردود الفعل المؤسسية والمؤسساتية، التي تؤشّر إلى غياب التفكير النقدي الجادّ في مشروعٍ يتعلق بالخيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا يجد في المشهد الحزبي المواقف التي تشير إلى حدوده وحدود مقترحاته، وطغيان المجاملات والمواقف المحسوبة بطريقةٍ نفعية، خصوصاً أنّه أُعِدَّ باعتباره البديل القادر على وضع مغرب 2035 في طريق يؤَهُّله لِتجاوُز الانسداد التنموي الحاصل في سياساته العامة.

ساهمت متغيراتٌ سياسيةٌ عديدة مرتبطة بالراهن السياسي المغربي، ومرتبطة بالتحوُّلات الجارية داخل حزب العدالة والتنمية، في خلخلة كثير من صور التوازن التي كان يظهر بها

إذا كان من المؤكّد أنّ الصراع اليوم داخل المشهد السياسي الحزبي قد انصبّ على تهيئة الشروط والمقتضيات القانونية المرتبطة بالأجندة الانتخابية (اللوائح والإجراءات التي تَمَّ التوافق عليها بين مكوِّنات المشهد الحزبي ووزارة الداخلية)، فإنّ الروح العامة التي اتخذتها الإجراءات المتوافق عليها، تروم فقط، بحسب وجهة نظر حزب العدالة والتنمية، الذي تحفظ على بعضها، زحزحة الحزب المذكور عن الصدارة التي احتلها في الدورتين الانتخابيتين السابقتين 2011 و2016. وقد ساهمت متغيراتٌ سياسيةٌ عديدة مرتبطة بالراهن السياسي المغربي، ومرتبطة بالتحوُّلات الجارية داخل الحزب المذكور، في خلخلة كثير من صور التوازن التي كان الحزب يظهر بها. وشكَّلت مواقف الكاتب العام السابق للحزب، ورئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، من كثير من القضايا، مناسبة لإيجاد أشكالٍ من الصراع بين بعض أطر (كوادر) الحزب، وبين الحزب وبعض تنظيماته القطاعية. تغذَّت هذه الحركية برسالة استقالته احتجاجاً على الموقف الحكومي من مشروع القانون الذي يجيز زراعة القنب الهندي لأغراض كيميائية علاجية، إضافة إلى مواقفه من التدابير المتخذة في موضوع لغة تدريس بعض المواد العلمية في المدرسة المغربية.
أما استقالة رئيس المجلس الوطني للحزب، البرلماني وعمدة مدينة فاس، إدريس الأزمي الإدريسي، والتي جاءت في رسالةٍ مفتوحة، فإنّها لم تأتِ بعد الفضيحة التي فَجَّرَها، وهو يتحدّث قبل أشهر في البرلمان، مدافعاً عن تعويضات البرلمانيين وتقاعدهم، ويبرِّر مسألة الجمع بين أكثر من تعويض مالي، بالنسبة للأشخاص الذين تُوكَل إليهم مهام متعدّدة داخل الفضاء المؤسسي المغربي، فقد جاءت كلمته مليئةً بالمتناقضات، وخلّفت، في منصات التواصل الاجتماعي، احتجاجات حادّة، حيث يتزايد عدد الشباب المشاركين في تركيب مواقف نقدية من كلّ ما يملأ المؤسسات في مجتمعنا.

لم تنشأ في المشهد السياسي المغربي، ونحن على أبواب استحقاقات انتخابية، التصوَّرات والأفكار والخيارات التي تسمح بحصول نقلةٍ نوعية في الثقافة السياسية المغربية

أعلن في رسالة استقالته أنّ الحزب لم تَعُد له علاقة بالقيم التي نشأ من أجل الدفاع عنها، وذلك لانخراطه في تزكية سياساتٍ لا علاقة لها بأفق العدالة الاجتماعية التي دافع عنها وتَغنَّى بها أزمنة حملاته الانتخابية. وعلى الرغم من أنّ الرئيس المذكور تراجع عن استقالته، كما تراجع عنها آخرون من الحزب قبله، فإنّ حركية الاستقالة ثم العودة، وقد أصبحت عُمْلَةً رائجة في الحزب، وداخل أغلب مؤسّساته التنظيمية، ترتبط في العمق بالمخاضات والتفاعلات الناشئة في قلبه، بعدما استمر على رأس الحكومة خلال الدورتين السابقتين، أي ما يقرب من عشر سنوات، أنتجت ارتجاجات قوية في بنيته. ونتصوَّر أنّ السبب في ذلك أنّه لم ينجح في ترتيب المسافات المطلوبة بين الحزب ومسؤوليات التسيير الحكومي، فقد توهَّم أنّه خارج التناقضات التي تملأ المشهد الحزبي المغربي، على الرغم من أنّه يمرّ بأطوار بعض من سبقوه في تدبير السياسات العامة.
لم تنشأ في المشهد السياسي المغربي، ونحن على أبواب استحقاقات انتخابية، التصوَّرات والأفكار والخيارات التي تسمح بحصول نقلةٍ نوعية في الثقافة السياسية المغربية، وتَمَّ توجيه مقتضيات الاستحقاقات القادمة نحو أفق سياسي واحد، يرتبط بالسعي إلى تعطيل كل ما يمكن أن يسمح لحزب العدالة والتنمية بالحصول على المزايا نفسها التي حصل عليها في الاستحقاقين السابقين. وكان يمكن أن يحصل هذا، لو عمل اليسار المغربي وتياراته على تجاوُز أساليبهم العتيقة في الفكر وفي الممارسة، وهي أساليب لم تَعُد مناسبةً لسياقات التحول الجارفة التي يعرفها مجتمعنا، وتنعكس على سياساتنا وثقافتنا ومؤسساتنا.
يُواجه المشهد الحزبي المغربي منذ أشهر تحدّيات سياسية عديدة، يتم تغييبها في النقاشات التي واكبت المداولات المرتبطة بموضوع القوانين والإجراءات الانتخابية، كما يتم السكوت عليها في سجالات المستقيلين والعائدين من أطر وقيادات الأحزاب، إذ تُغَيَّبُ بحسابات مختلفة لتُنجز في النهاية أدواراً محدَّدة. لا نجد في الخطابات المواكبة لمشهدنا السياسي والحزبي، ما يكشف التصوُّرات الجديدة المواكبة للتحوُّلات الحاصلة في المغرب، في موضوع الصحراء وفي موضوع تحرير مليلية وسبتة والجيوب المحتلة من إسبانيا، وكذا عطالة اتحاد المغرب العربي .. كما يجري السكوت على مسألة التطبيع، وعندما نضيف إلى ذلك، الأسئلة التي أثارها تقرير لجنة النموذج التنموي، نتبين كثيراً من صور تَصَلُّبِ العمل السياسي في مجتمعنا.