غزّة تحت الوصاية

27 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 01:44 (توقيت القدس)
+ الخط -

لا يزال بنيامين نتنياهو يراوغ في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة، فيما شرعت واشنطن في تطبيق المراحل المستقبلية للقطاع وفقاً لتصوّراتها، فبدأت عملياً في تأسيس بعض الآليات والوسائل اللازمة لذلك، وتحديداً مركز التنسيق المدني العسكري (CMCC)، وهو المؤسّسة الرئيسة لمراقبة وقف القتال ومتابعة تنفيذ بقية البنود المُقرَّرة في "خطّة دونالد ترامب".
دشّنت واشنطن ذلك المركز بعد خمسة أيام من قمّة شرم الشيخ التي أقرّت الاتفاق، ولذلك التوقيت دلالة عميقة لجهة ما يجري من تطوّرات تبدو مبهمةً أحياناً ومتعارضةً أحياناً أخرى. فلم تكن الإدارة الأميركية لتشرع في تأسيس ذلك المركز وتدشينه ما لم يكن لديها تصوّر تفصيلي متكامل بدوره وآلياته. والأهم امتلاك درجة كافية من الاطمئنان إلى مواقف الأطراف المعنية، وتحديداً إسرائيل، ثمّ الدول العربية، وربّما أيضاً حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وهذا بذاته تأكيد للمؤكّد أن المُعلَن ليس بالضرورة الحقيقة كلّها.
ما تشهده غزّة حالياً حزمة ترتيبات وإجراءات تحضيرية لتطبيق نظام وصاية عليها، وهو غير نظام "الوصاية" التقليدي الذي استحدثته الأمم المتحدة عام 1945 لإدارة الدول والمناطق التي كانت مستعمرةً بوصفها مرحلةً انتقاليةً تتمكّن في أثنائها من تأسيس دولة وإقامة مؤسّسات للحكم المستقل.
المشترك الوحيد بين ذلك النظام الأممي وما يجري إعداده لغزّة تنصيب طرف ثالث لإدارة الحكم وتسيير الأمور العامة. وفي ذلك أيضاً، لا تتبع "وصاية غزّة" الأمم المتحدة، إذ تجري مفاعيلها بإرادة أميركية بالأساس. ولا تكتفي واشنطن بالتخطيط والترتيب، بل تتولّى التنفيذ أيضاً. وليس من الواضح ما إذا كانت إدارة ترامب تستجيب لمطالب الأطراف المعنية أو مواقفها أم تصمّ الآذان عنها. فمثلاً كان المخطّط الأميركي أن تخضع غزّة لإدارة مؤسّسة أطلق عليها ترامب "مجلس السلام" برئاسة توني بلير (رئيس الوزراء البريطاني الأسبق) وأن يكون مقرّه في مدينة العريش المصرية، ثمّ فجأةً ظهر شكل مختلف لمؤسّسة الوصاية بتأسيس مركز التنسيق المدني العسكري. وليس من الواضح إن كان ذلك المركز بديلاً من فكرة "مجلس السلام"، أم سيقتصر دوره على متابعة بقية المراحل التنفيذية الخاصة بوقف القتال. فالإعلان عن إطلاق المركز رسمياً صدر عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، أي أنه يتبع الجيش الأميركي. ورغم ذلك، تتضمّن مهامّه، وفقاً لبيان "سنتكوم"، تسهيل تدفّق المساعدات الإنسانية واللوجستية والأمنية من الشركاء الدوليين إلى القطاع، ومراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، كما سيشرك المركز ممثّلين للدول الشريكة ومنظّمات غير حكومية ومؤسّسات دولية وشركات في أعماله، بغرض "الإسهام في تمكين الانتقال إلى الحكم المدني في غزّة".
الشاهد أن الغموض يلفّ التفاصيل الدقيقة الخاصّة بمراحل ما بعد تبادل الأسرى، وبصفة خاصة تلك المتعلقة بكيفية إدارة القطاع وآليتها وهيكليتها. ومقابل إبهام التفاصيل والملامح التفصيلية، ثمّة أمر مؤكّد وواضح، أن غزّة ستكون تحت الوصاية. أمّا طبيعة تلك الوصاية وتركيبتها، فربّما تكون حالياً محلّ جدل ونقاشات بين الأطراف، فتل أبيب تضع شروطاً وخطوطاً حمراء، منها رفض مشاركة دول بعينها في القوات الدولية المزمع نشرها في غزّة، كما ترفض أيضاً تولّي السلطة الفلسطينية إدارة القطاع.
وبينما تعلن واشنطن أنها ستتفاوض مع إسرائيل حول طبيعة الحكم المنتظر لغزّة وتركيبته، ليست مواقف الدول العربية واضحةً من تلك العملية، أو ربّما ليس بعضها معلناً، سواء لجهة مبدأ "الوصاية" أو من زاوية المشاركة في آلياتها، خصوصاً أنها تتضمّن جوانب أمنية وعسكرية، فضلاً عن الجوانب السياسية. والأرجح أن معظم الدول العربية تفضّل قبول "الوصاية" على غزّة (وربّما المشاركة فيها) على استمرار المقاومة الفلسطينية المُسلحة ضدّ الاحتلال، بما يحمله ذلك من أعباء وتحدّيات وأثمان.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.