غزة تهجر مسرح العبث

05 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

استدراكاً لما قد يثيره العنوان أعلاه من استنتاجاتٍ متعجّلة، ينبغي القول مسبقاً إنه ليس لهذه المطالعة علاقة بإبريق زيت المصالحة المهشّم، وقد أعيد التداول به على حين غرّة، ولا تنتمي هذه المقاربة إلى جنس النقد الأدبي، أو تنتسب إلى عوالمه الفكرية، وإنما هي مجرّد عملية اتكاء وتوظيف لجماليات فن مسرحي تجريبي، ساد وانتهى في أواسط القرن الماضي، عرف باسم "مسرح العبث"، وذلك لاستنطاق المشهد الجاري فصولاً على خشبة مسرح قطاع غزة.
بلغ مسرح العبث ذروة سنامه على أيدي فلاسفةٍ حداثيين، وكتّاب مسرحيين طليعيين. وانطوت عوالم هؤلاء الرواد، ونصوصهم النقدية الصارمة للأحوال الأوروبية المضطربة، في حقبة ما بين الحربين العالميتين، على مقارباتٍ لاذعة للمفاهيم والقيم والمبادئ الرائجة في حينه، على نحوٍ يعكس حالة القلق الإنساني، والضياع الفكري، ناهيك عن الشعور باللا جدوى، وفقدان الثقة، وانعدام الهدف.
كان خطاب هذا الجنس المسرحي مبنياً على المجهول، وكانت رسائله مثقلةً بالغرائبية والسوريالية، راعفةً بالدماء والدموع والتشاؤم والخراب العظيم، وكان من أبرز كتّابه، فرانز كافكا، واضع مسرحية "المسخ" وصموئيل بكيت "في انتظار غودو" وألبير كامو "صخرة سيزيف" فضلاً عن يوجين يونسكو، وجان بول سارتر، وغيرهم من نجوم مسرح اللامعقول.
وبتأويل تلك المسرحيات المبكية المضحكة إلى نماذج واقعية موازية لراهن المجريات اليومية، مع إجراء محاكاة سياسية مستلهمة من حيثيات الواقع المتغير، سنعثر على ما يماثل العبث السائد في مواقف وسياسات دول وجماعات وزعماء، يظهرون ما لا يبطنون، وكأنهم يؤدّون أدواراً تمثيلية على خشبة مسرح العبث سالف الذكر، يبثون رسائل مبهمة، مثيرة للقلق والشك، وباعثة للمخاوف، وفق ما كان عليه خطاب مسرح اللامعقول قبل نحو قرن.
في المجال العام الفلسطيني، تجلت في أواخر العام المشؤوم، المنصرم لتوّه، جملة من مشاهد العبث المفاجئة، واحدة جرت في حفلٍ موسيقى صاخب داخل مقام النبي موسى شرقي القدس، وقد تمّت معالجة ذيولها بصورة سيئة. والثانية حدثت في مدينة سخنين الجليلية، وتمثلت بإحراق شجرة عيد الميلاد، في سابقة خارجة عن تقاليد عاصمة يوم الأرض الخالد، وقد أضيئت شجرتان بدلاً عنها على الفور. فيما وقعت في بحر الأسبوع الأخير من السنة الفارطة، ثلاثة مشاهد عبثية متتابعة على مسرح غزة وحده، الأمر الذي حفّز على تسطير هذه المطالعة.
تمثل أولها بدعوة لجنة الوعظ والإرشاد، التابعة لأوقاف حركة حماس، الغزّيين إلى عدم المشاركة في أعياد المسيحيين، وقد ردّ على هذه الدعوة المستهجنة عدد وافر من المثقفين الوطنيين الديمقراطيين الفلسطينيين، وبعضٌ من مريدي الحركة، وفي ذلك ما يكفي ويزيد لتبيان مدى عبثية تلك الدعوة الصادمة. وتجسّد الثاني في رفع صورة كبيرة لقاسم سليماني في أحد شوارع غزة، إحياءً لذكرى مقتله قبل نحو سنة، وقد قام نفر ممن أساءهم وصف سليماني بشهيد القدس، بعد ساعات فقط، بتمزيق صورة من قتل مئات ألوف السوريين والعراقيين، وهذا كان كافياً، أيضاً، لإظهار عدمية مشهد العبث الثاني. أما ثالثة أثافي حالات العبث المتزامنة، فقد كانت تلك المناورة العسكرية لأجنحة المقاومة في القطاع المحاصر، تحت سمع وبصر قوات الاحتلال التي سجلت كل ما جرى خلال ساعات المناورة، ليس فقط لرصد مكامن ما لدى هذه الأجنحة من مقدّرات تكتيكية متواضعة، وإنما للزعم أن غزة تعسكرت، وبات عندها جيش نظامي لا حركة مقاومة مشروعة، وأنها تمتلك عدة حربية مكافئة، وهيئة أركان، وطائرات مسيّرة، ما قد يسوّغ للقتلة، والحالة هذه، استخدام حق الدفاع عن النفس، لضرب القطاع المنهك بصورة أكثر وحشيةً مما جرى في الحروب الثلاث السابقة.
يدرك المرء مدى مركزية السلاح في الوجدان الفلسطيني العام، ويتفهم عمق مشاعر الاعتزاز بالبندقية المقاتلة، ويعي بالضرورة حساسية التعرض لهذه المسألة القريبة من مرتبة القداسة، ويتحسب مما قد تجره من اتهامات مسبقة، غير أنه يدرك بالمقابل أن تزييف المشهد الهش على هذا النحو المفارق للواقع، وإظهار القطاع الفقير المحاصر المعزول على أنه يحوز ترسانة أسلحة صاروخية مجنّحة، تحاكي ما لدى كوريا الشمالية، ينتج بالضرورة الموضوعية صورة متخيّلة، فيها خداع كثير للنفس، تطاوس وعبث زائد، أحسب أنه آخر مظاهر العبث المتبقية على خشبة المسرح الغزّي.