غرب المتوسط، المغرب وإسبانيا: السيادة قبل السياسة

غرب المتوسط، المغرب وإسبانيا: السيادة قبل السياسة

25 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

لم يعد أيُّ إبحارٍ هادئا في مياه الأبيض المتوسط المضطربة، وقد صار الوضع في غربه مثل رقصة، على موجاتها تفسّر اتجاهات الدبلوماسية والصراع الاستراتيجي، وفي علو أمواجها تُقاس درجات مواجعها وتوتر جزء كبير من الكرة الأرضية، فقد جاءته آسيا الروسية والصينية لتصير جزءا من غرب عالمٍ متعدّد الأقطاب، عبر الغاز والبترول وليبيا المتقاتلة، كما تعيد أوروبا، على ضوء ما يجري في شمال أفريقيا، وتوزيع أوراقها ونياتها ومصالحها وأحلامها في عودة العجوز إلى صباها.
ويجد المغرب وإسبانيا، الجاران اللدودان، نفسيهما في قلب أزمة التحوّل الحالية، باعتبار علاقتهما "كاتالوغاً" جيو - سياسيا عما تعرفه المنطقة والعالم حولها من "إبدالات" (باراديغمات) جديدة. تحولات تثير الدوخة، حول هذه المنطقة من المتوسط، والتي كان كثيرون، إلى عهد قريب، يعتقدون أن العالم دخل فيها معادلاتٍ جديدة، قد تسرّع تقارب الدول ذات التاريخ المشترك، أو تساعد على نزع الفتيل، بعد أن صار المتوسط قارّة قائمة بذاتها. البحر الأبيض المتوسط، قارّة عائمة، أو بالأحرى سائلة .. لكن جزءا من حاضرها وماضيها ومستقبلها تصنعه تقلبات الرمال والصحراء. المتوسط تحوّل من مهد الميثولوجيا والأديان إلى خريطة في الصراع الحديث لموازين القوى، من بحرٍ للغات والروح الطاعنة في طفولة البشرية، إلى عواصم مرابطةٍ حول الواحات. يتحوّل هذا المتوسط، بفعل الأزمات السياسية المعاصرة، إلى فضاء تحرّر من سحره الروحي والأسطوري، وإلى قارّة من أمواج، كل ما فيها أرضيُّ، وقابل للقياس الجيو - استراتيجي.

كتب سانشيز في بداية ولايته أن إسبانيا تنظر إلى المغرب دولة شقيقة وشريكا استراتيجيا من الطراز الأول، والآن يُؤلب الاتحاد الأوروبي في حربه على المغرب

والواضح أن البلدين المعنيين اليوم، في واجهة التحوّلات، هما إسبانيا والمغرب، البلدين اللذين تحول مشتركهما الجيواسراتيجي رأسا على عقب، ودخل منطقة الأزمة. والشعوب هنا لا تنسى آلهتها القديمة، لكنها تسارع إلى دخول المعترك الحديث للصراعات، بما تتطلبه من تحولاتٍ متسارعة، عميقة، وتبدو أحيانا غير مفهومة. بالنسبة للمغاربة، أول مظهر من مظاهر التحول مسّ بالأساس رئيس الحكومة الإسبانية نفسه بيدرو سانشيز، الذي تغيرت لهجته تجاه المغرب بأزيد من 360 درجة، وانتقلت من لغة احتفالية تغلب عليها بلاغة التقريض الى لغة للتهديد. والجميع يتساءل: "من يصدّق أن بيدرو سانشيز الذي طار إلى المدينتين السليبتين، سبتة ومليلية، في تحدٍّ للمغرب، طالما تفاداه من سبقوه في عز الأزمات، هو نفسه الذي كتب، يوم 30 يوليو/ تموز 2019، في ذكرى عشرين سنة لوصول محمد السادس إلى عرش المغرب، مقالا مطولا نشرته صحيفة اليسار، الباييس، كله ورودٌ تلقى من أعلى شرفة رئاسة الحكومة على البلد الجار، فيه "قناعتي بأن إسبانيا والمغرب هما اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بلدان موحّدان بروابط متعدّدة، ليس فقط راهنا، ولكن عبر علاقة استراتيجية تستشرف المستقبل. إسبانيا والمغرب يمثلان اليوم نموذجا جيدا للكيفية التي يجب أن يكون عليها الجوار، بظروفه الجغرافية والتاريخية، وكيف يتحوّل إلى علاقة مكثفة ومثمرة بين بلدين صديقين".
من يصدق أن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز هو من كتب في بداية ولايته الحالية "إن إسبانيا تنظر إلى المغرب دولة شقيقة وشريكا استراتيجيا من الطراز الأول. ونتشارك معا الرخاء والأمن. كما نؤيد بشكل حاسم الاستقرار في غرب البحر المتوسط، وسندعم المغرب في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، وسوف نعزّز دينامية التبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمعاتنا في جميع المجالات"، وهو نفسه الذي يُؤلب الاتحاد الأوروبي في حربه على المغرب؟ من يصدّق أن الشخص نفسه كتب منذ سنتين فقط: "المغرب شريك للحاضر والمستقبل، ودولة صديقة، وشعب شقيق، وجوارنا اليوم أكثر من أي وقت مضى فرصة، وتحدّ من أجل تطوير علاقة عادلة ومتجدّدة، تلبي التطلعات المشروعة لشعبينا، هذا هو الالتزام الذي فرضته على نفسي بطموح واقتناع بهذه المناسبة، مناسبة مرور عشرين سنة من حكم الملك محمد السادس ملك المغرب.."؟

يتبنّى المغرب منطقا جديدا في تقدير مواقف الدول الشريكة، يبني أساسه على وضوح مواقفها من الوحدة الوطنية المقدّسة عند المغاربة

لقد ظلت المقومات الاقتصادية والمقاولاتية، ومقومات الهجرة ومحاربة الإرهاب، كلها مشتركة، وظل المغرب يلعب الدور المناط به في الاتفاقيات كلها، فما الذي تغيّر لكي تنقلب الأمور رأسا على عقب، ويصبح غرب المتوسط، وليس فقط العلاقة بين البلدين، في خضم إعصار سياسي غير مسبوق؟ ما حصل أن كأس العلاقة فاض بنقطة، يعتبرها المغرب جوهرية في بناء أي تعاون، وهي قضية الوحدة الترابية، وقد شعر بالطعنة، عندما استقبلت مدريد زعيم الانفصاليين إبراهيم غالي، تحت اسم مستعار وبأوراق مزيفة، بدون إخبار الرباط، ولا مراعاة المرحلة الدقيقة التي تمرّ بها المنطقة.
منذ مدة، يتبنّى المغرب منطقا جديدا في تقدير مواقف الدول الشريكة، يبني أساسه على وضوح مواقفها من الوحدة الوطنية المقدّسة عند المغاربة. ورفع شعار "المصالح وحدها لا تكفي"، لبقاء الأجواء صحية وعادية، بل لا بد من تحديد الموقف من القضية المركزية. وهكذا ترك المُقْتَرب الاقتصادي المصالحي مكانه للمُقترب السِّيادي، ولم تعد "محفظة المصالح" وحدها كفيلةً بتحديد درجة التعاون والشراكات، وفتح قنصليات في مدنها. وهو بحد ذاته كان محكّا للجارة الشمالية، حيث إنها سارعت إلى محاربة هذا الاعتراف، وطالبت بالتراجع عنه، وزادت من دعمها الانفصاليين عبر استقبال عضو في الحكومة الإسبانية وفدا من "جمهورية تندوف" الانفصالية، ورفعت بلدياتٍ بعينها، على الرغم من قرار المحكمة العليا ببطلان ذلك، أعلام الانفصاليين الصحراويين، وارتفع الدعم الإسباني المالي للجبهة الانفصالية، حتى قال خبير مغربي، في مقال في صحيفة إسبانية، إن مدريد تضمن "ثمن عشر دبابات روسية في السنة".

ظهر للمغاربة أن المكبوت - الجيواستراتيجي الذي تحكّم في العلاقات غرب متوسطية في سبعينيات القرن الماضي، قد عاد من جديد، وذلك من خلال عودة التقارب الجزائري الإسباني

ومقابل ذلك، اتضح التعاون الجزائري الإسباني في قضية زعيم البوليساريو، وكذا في قضايا بحث إسبانيا عن بدائل للتعاون مع المغرب، واندفاعة الجارة الجزائر إلى دعم مدريد، وتأليب الاتحاد الأوروبي ضد الرباط. وظهر للمغاربة أن المكبوت - الجيواستراتيجي الذي تحكّم في العلاقات غرب متوسطية في سبعينيات القرن الماضي، قد عاد من جديد، وذلك من خلال عودة التقارب الجزائري الإسباني، كما كان الأمر في بداية طرح ملف الصحراء الجنوبية، بوصفه ملفّ تحرّر مغربي، أيام الجنرال فرانكو في إسبانيا والراحل هواري بومدين في الجزائر.
الواضح أنه كلما اضطربت أمواج المتوسط، عاد المكبوت السياسي والترابي إلى السطح. ومن مفارقات الوضع الحالي أن شعور المغاربة إزاء هذا المكبوت الثلاثي ترافق مع عودة الشعور بوجود "المغرب في مواجهة الإمبرياليات"، كما في كتاب المؤرخ الفرنسي الشهير شارل- أندري جوليان، عن المغرب خمسة قرون. ومن مفارقات هذا الوضع أيضا أن الأصوات الإسبانية التي تدعو إلى التعقل والتفكير في الثنائي المنتج، تدعو صراحة، من وسط اليمين والجيش والمخابرات، إلى ضرورة تدخل الملك فيليب السادس، باعتباره "أفضل سفير للبلاد"، لحل المعضلة، كان لافتا حقا أن تكتب يومية "لاراثون"، القريبة من الجيش، أن أخطر ما يمكن أن يقع في زعزعة الاستقرار في المنطقة هو أزمة مع المغرب، في حين نجد ورثة الاشتراكيين الكبار، من قبيل فيليب غونزاليس ولويس ثاباتيرو، الرئيسين السابقين للحكومة، واللذين صارا من كبار أصدقاء المغرب، يتجهون اتجاها معاكسا!