غرائب سودانية
يزخر التاريخ السياسي السوداني بغرائب ومدهشات كثيرة تغرق في لامعقوليتها. في نوفمبر/ تشرين الثاني 1965، حلّ البرلمان المُنتخَب الحزب الشيوعي السوداني. كانت تلك حقبة ديمقراطية نادرة في تاريخ السودان، بدأت قبل حوالي عام، عقب الثورة الشعبية في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1964، التي أطاحت نظام حكم الفريق إبراهيم عبود ومجلسه العسكري الحاكم. بعد خطابات برلمانية عصماء، قرّر النواب المُنتخَبون حلّ الحزب المُسجَّل بشكل قانوني، وطرد نوابه المُنتخَبين من البرلمان. اتجه الحزب المحلول إلى المحكمة الدستورية التي حكمت ببطلان قرار الحلّ، لكنّ النواب المُنتخَبين رفضوا قرار السلطة القضائية الأعلى، وكان ذلك أشبه بخيانة للديمقراطية الوليدة. وغضب من إهدار حكم القانون رئيس القضاء بابكر عوض الله، الذي كان سابقاً (في الخمسينيّات) رئيساً للبرلمان المُنتخَب، فانضمّ إلى انقلاب عسكري أطاح النظام الديمقراطي، وألغى الأحزاب والبرلمان والمحكمة الدستورية والدستور (!). ومثله في الغرابة الرئيس الأسبق جعفر النميري الذي بدأ حكمه بانقلاب عسكري يساري قومي - عروبي، وكان يخطب منتشياً أن الثورة (انقلاب 25 مايو/ أيار 1969) يسار لا مكان لليمين فيها. وليثبت جدّيته في ذلك، قصف المدنيين السودانيين الذين يتهمهم بالرجعية واليمينية بالطائرات الحربية (مذبحة الجزيرة أبا 1970). ثم بعد ما يزيد قليلاً على عقد، أعلن الحكم بالشريعة الإسلامية، وطاف بالبلاد يتلقّى البيعة على إقامة الدين، والسمع والطاعة، في المنشط والمكره. ونُشرت باسمه الكتب التي تشرح "النهج الإسلامي: كيف؟" و"النهج الإسلامي: لماذا؟". أصبحت "الثورة" يميناً لا مكان لليسار فيها. وليثبت جدّيته في ذلك، حاكم الردّة، واستتاب الناس، وقتل على الأفكار، وقطع الأيادي، ورحّل يهود الفلاشا إلى إسرائيل، وأحاط نفسه بالعرّافين وقراء الطالع.
وعندما سقط نظام نميري بثورة شعبية ثانية (السادس من إبريل/ نيسان 1985)، تقدّم العميد معاش فضل الله برمة ناصر ليكون أحد قادة المجلس العسكري الانتقالي الذي سلّم السلطة برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، بعد عام من الحكم الانتقالي، إلى حكومة مُنتخَبة. خرج العميد ناصر من الخدمة العسكرية عضواً سابقاً في أعلى سلطة للبلاد، أشرفت على الانتقال الثاني من الحكم العسكري إلى حكم مدني ديمقراطي، وتولّى وزارة الدفاع في الحكومة الديمقراطية المُنتخَبة بعد ذلك. ثم انضم إلى حزب الأمّة، أحد قطبَي السياسة السودانية الحاكمَيْن في وقتهما ذاك، وتدرّج حتى أصبح نائب رئيس الحزب. وهو مسار معتاد لعسكريين كثر، أدّوا أدوارهم العسكرية، ثم انخرطوا في الأحزاب السياسية ليمارسوا نشاطهم المدني. وعقب وفاة الصادق المهدي (رئيس وزراء السودان الأسبق ورئيس الحزب)، أصبح ناصر رئيساً مكلَّفاً لأحد أعرق الأحزاب السودانية وأكبرها. لكن مثل بعض الحالات في دول كثيرة، ظهر على معاش في أكثر من مناسبة أنه لم يتخلص من كثير من عسكريته، رغم مكانته المدنية المرموقة. فظلّ في كل خلاف سياسي يشجر بين القوى المدنية والمكوّن العسكري في الشراكة الهشّة التي استمرّت منذ أغسطس/ آب 2019 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2021، ينحاز إلى القوى العسكرية. حتى بعد انقلاب أكتوبر، والذي اعتقل فيه عدد من قادة الحزب الذي يرأسه، برّر معاش الانقلاب بأن الساسة المدنيين أساؤوا للقادة العسكريين وهذا غير مقبول، لكنه حرصاً منه على مستقبل البلاد ينصح قائد الجيش بالتراجع عن انقلابه (!).
بعد الحرب، بدا أن رئيس الحزب السياسي لا يميل فقط إلى خلفيته العسكرية، لكنّه أخذ يتحرّك في اتجاه قوات الدعم السريع قليلاً قليلاً، حتى ذهب مهاجراً مجاهراً بالانضمام إلى تحالف تأسيس وحكومته الموازية. وعندما سئل الرئيس المكلّف للحزب الحائز على نسبة الأصوات الأعلى في آخر انتخابات ديمقراطية عرفها السودان قبل 39 عاماً، ووزير الدفاع السابق: "هل حزبه داعم لبندقية الدعم السريع"، قال الرجل بكل ثقة: "كل قبائلنا، كل قبائل غرب السودان وقواعدنا تؤيد الدعم السريع".
سئل الرئيس المكلّف للحزب عن قواعد حزبه، فبدأ بقبائله، وتلك غريبة أخرى من غرائب سياستنا. السياسة التي يتحرّك فيها رجل مثل اللواء معاش فضل الله برمة ناصر من عقيد في الجيش ينحاز لثورة شعبية، ثم وزير دفاع في حكم مدني، ثم قيادي حزبي، ثم رئيس حزب، ليرتدّ إلى رجل ينحاز إلى بندقية القبيلة.
إنه زمن المجد للبندقية، كما قال قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، قبل أن يتحوّل الهتاف إلى "المجد للسلام" عقب تعليق من الرئيس الأميركي عن نيّته وقف حرب السودان.