عود على بدء؟

عود على بدء؟

27 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

عاد فيروس كورنا ليثير الرعب في العالم، مع الحديث عن المتحور الجديد ذي الطفرات المتعدّدة. وعلى الرغم من أن أزمة الفيروس وما صاحبها من تداعيات على الصعد الصحية والاجتماعية والاقتصادية لم تنته بعد، إلا أن تطوير اللقاحات ساهم إلى حد كبير في التخفيف من هذه التداعيات. الأمر الذي يهدّده هذا المتحور الجديد، خصوصاً أن من شأن الطفرات الكثيرة المكتشفة أن تزيد من قدرة الفيروس على مكافحة اللقاحات.
ومع أنه لم يجر التثبت علمياً، حتى الآن، من مدى فعالية اللقاحات الموجودة في مواجهة هذا المتحوّر، غير أن الإجراءات الاستباقية المتوقع أن تتخذها الدول، الغربية خصوصاً، من شأنها أن تعيدنا إلى المربع الأول في مواجهة فيروس كورونا، ولا سيما أن الفترة المقرّرة لتكوين رأي علمي أولي حول فعالية اللقاحات تزيد على أسبوعين، ما يعني أن الأمور قد تخرج عن السيطرة في حال تفشّي المتحور، والذي يتوقع أن يكون شديد العدوى بسبب الطفرات التي يحملها.
ومما يزيد من توقعات العودة إلى الإجراءات المشدّدة، وربما الإغلاق، أن الوضع الوبائي في الدول الغربية، ولا سيما أوروبا، كان في حالة انحدار شديد، على الرغم من جرعات التطعيم الكثيرة التي أُعطيت للمواطنين، ما دفع بعض الدول، مثل هولندا والنمسا، إلى إعلان الإغلاق أسبوعين قبل أعياد الميلاد، الأمر الذي قد يطول إلى ما بعد ذلك.
وإذا كان هذا هو الحال في الدول الغربية، فإن الوضع في العالم العربي والدول التي تصنّف عالم ثالثية سيكون أسوأ، خصوصاً مع التخلي الكامل عن إجراءات الوقاية من الفيروس، والعودة إلى الحياة الطبيعية، وعدم الاكتراث كلياً بالمرض، في ظل الأزمات الاقتصادية الكبيرة التي تعيشها دول عربية عديدة. وعدم الاكتراث وصل إلى المستويات الرسمية التي أصبحت تزوّر أرقام الإصابات لتخفيف حدة الموجة الوبائية، أو تعمد إلى عدم إجراء فحوص لاكتشاف المرض أو تحديد سلالته. الأمر نفسه بالنسبة إلى المواطنين الذي باتوا يتعاملون مع المرض على أنه مجرّد إنفلونزا، ويستكملون حياتهم بشكل طبيعي عند الإصابة به.
تصرّفات كهذه قد تكون مفهومة، لو تم ربطها بالأوضاع الاقتصادية، لكنها ليست دائماً كذلك، فنظرية المؤامرة تطلّ برأسها دائماً في موضوع الفيروس واللقاحات. والأمر ليس حكراً على العالم العربي، بل على العكس، ما ظهر خلال السنتين الماضيتين، وتطوّر خلال الأسابيع الماضية، أظهر أن الإيمان بنظرية المؤامرة أكبر بكثير لدى الغربيين منه لدى العرب، وهو ما شهدناه في التظاهرات والمواجهات التي حصلت في بعض الدول الأوروبية، رفضاً لإجراءات الإغلاق وفرض إلزامية اللقاحات.
دراسات علمية عديدة ربطت عدم التلقيح بظهور المتحورات الجديدة، خصوصاً بعد تخفيف الإجراءات التي كانت مفروضة في دول العالم. إذ إن الفيروس يعمل في بيئة آمنة نسبياً، ويصبح قادراً على تطوير نفسه. الأمر نفسه يحصل مع عدم شمولية التطعيم للمواطنين كافة، سواء بفعل رفض تلقي اللقاح أو بسبب ندرته، فقد أظهرت دراسة نشرتها مجلة "نايتشر ساينتفيك ريبورت" أن احتمال ظهور متحورات أكثر مقاومة ينخفض عندما يكون 60% من السكان على الأقل ملقحين.
إضافة إلى نظرية المؤامرة ورفض التلقيح، فإن أنانية الدول الغربية وجشع شركات الأدوية مسؤولان أيضاً عن الفشل في الوصول إلى شمولية التطعيم، خصوصاً في دول العالم الثالث التي باتت مركزاً لإنتاج المتحوّرات من فيروس كورونا، فالدول الغربية احتكرت في الفترة الأولى من التطعيم الأنواع المختلفة من اللقاحات، قبل أن تبدأ توزيع جزء منها بعد قطع مراحل متقدّمة من تلقيح المواطنين. أما الشركات المنتجة للقاحات، فرفضت إعطاء التراخيص اللازمة لدول كثيرة لإنتاج اللقاحات محلياً. وبالتالي، لم تستطع هذه الدول الحصول على العدد الكافي من اللقاحات لتلقيح مواطنيها.
ما بين نظريات المؤامرة والجشع الغربي، ها هو العالم حالياً يعيش قلق الأيام الأولى لانتشار كورونا، فهل هي عودة إلى الإغلاق؟