عودة التهجير… "الطوعي"
فلسطينيون يهربون من قصف إسرائيلي في رفح جنوبي قطاع غزّة (23/3/2025 الأناضول)
خلال اجتماع لوزراء الخارجية العرب قبل أسابيع للبحث في الرد على مخطّط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لتهجير من تبقوا من سكّان قطاع غزّة، أصرّت دولة عربية على إضافة كلمة "قسري" إلى البيان الختامي الذي أكد رفضه مخطّط التهجير مع إضافة كلمة "قسري"، بناء على رغبة هذه الدولة، ما يعني أن التهجير أو الهجرة "الطوعية" سيكونان مقبولين عربياً.
المفارقة أن هذا محور مخطط ترامب ومعه المخطّطات الإسرائيلية. ففكرة الرئيس الأميركي لم تتحدث عن إخراج سكان قطاع غزة بالقوة، بل إقناعهم بالانتقال إلى مكان آخر، ليس بالضرورة مصر والأردن كما كان الطرح الأولي للخطة، إلى حين إعادة إعمار "ريفيرا غزّة" التي يحلم بها دونالد ترامب ومعه إيلون ماسك. وعملت دولة الاحتلال على إنشاء هيئات ودوائر لإقناع سكان غزّة بـ"الهجرة الطوعية". وهي عملياً بدأت ترويج نجاح الفكرة، إذ سرّبت عبر القناة 12 أن مائة فلسطيني من قطاع غزّة في طريقهم إلى إندونيسيا للعمل في قطاع الإعمار في إطار خطّة "الهجرة الطوعية". ورغم النفي الإندونيسي لوجود أي اتفاق لاستقبال عمّال من قطاع غزّة، لا يعني ذلك أن هناك محاولات تجري مع دول كثيرة، قد تكون منها إندونيسيا، لتأمين فرص عمل لسكان من قطاع غزّة للانتقال إليها مع عائلاتهم.
ليست الفكرة جديدة، فقد كانت مطروحة منذ الأشهر الأولى للعدوان على قطاع غزّة بعد 7 أكتوبر (2023)، لكنها لم تجد من يدعمها في ذلك الحين. الجديد اليوم أن هناك تبنّياً كاملاً لها من الجانب الأميركي، ربما يفوق الحماس الإسرائيلي، وأن هناك خطوات بدأت تتخذ في هذا المجال، سواء بالحديث مع دول العالم المختلفة، أو إعادة محاولة إقناع مصر والأردن باستضافة سكان من غزّة.
واللافت في الجزئية الأخيرة، أي تكرار المحاولة مع مصر والأردن، أن الدولة العربية نفسها، ذات اقتراح رفض "التهجير القسري" فقط، تلعب دوراً أساسياً في مجال تهيئة الأرضية "الطوعية" لإفراغ قطاع غزّة من سكانه، بعدما ساهمت بالضغط على الولايات المتحدة لرفض خطّة مصر لإعادة إعمار القطاع. وهي تعمل حالياً على إغراء القاهرة بقبول العروض الأميركية، والتي تتضمّن تعويماً مالياً، مقابل استقبال ما بين 500 و700 ألف مواطن من غزّة، واستضافتهم في مصر. وقد تحدّثت عن هذا العرض وسائل إعلام إسرائيلية أشارت إلى استعداد مصر لقبوله، وهو ما دفع القاهرة إلى نفي هذه المزاعم "بصورة قاطعة"، والتي حدّدت أن نقل نصف مليون مقيم من غزّة بشكل مؤقت سيكون إلى "مدينة مخصّصة في شمال سيناء كجزء من إعادة إعمار قطاع غزّة".
وبغض النظر عن الموقف الحقيقي للدول المرشّحة لاستقبال مواطنين من قطاع غزّة، تؤشّر كثرة التسريبات عن الاستعداد لبدء تطبيق "التهجير الطوعي" إلى أن الحراك في هذا الملف بات متقدّماً، ويرافقه ضغط عسكري على الأرض من قوات الاحتلال ضد سكان غزّة الذين عاودوا رحلة النزوح داخل القطاع سعياً وراء الأمان، رغم أنه غير موجود في أي شبر من القطاع المدمّر.
نزوح سيتطوّر شيئاً فشيئاً في ظل التوحش الإسرائيلي ليتحوّل إلى تهجير تحت مسمى "طوعي"، رغم أن أي تهجير أو حتى هجرة، لا يمكن إلا أن يكونا قسراً، فالهجرة من أجل العمل أو الأمان أو لتأمين حياة كريمة لن تكون طوعية في حال تضمنت هذه المقومات في البلاد التي هاجر الشخص منها، فما بالك بالحال في قطاع غزّة؟ والذي لم يعُد فعلياً صالحاً للعيش، وبات أهله على مشارف المجاعة، لذا سيغتنمون أي فرصة ستسنح لهم للخروج وستُروَّج أنها "طوعية"، رغم أن هذه الكلمة لا يمكن أن تقترن بالتهجير في أي مكان، وليس قطاع غزّة وحده.