عودة إلى مربع الوهم

19 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

منذ ظهور النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية الأميركية، والإعلان بشكل غير رسمي عن فوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، بالسباق، بدأت السلطة الفلسطينية بتغيير لهجتها التصعيدية ضد إسرائيل والإدارة الأميركية، والتي كانت قائمة على عناوين (لم ينفذ شيء منها فعلياً) تصعيد المقاومة الشعبية وإتمام المصالحة لمواجهة مخططات تصفية القضية، إضافة إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، وهو ما حصل عبر وقف التنسيق الأمني للمرة الأولى فعلياً. رد الفعل الأولي الذي صدر عن القيادة الفلسطينية، بعد ظهور فوز بايدن، هو إعلان الاستعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات، من دون انتظار ما إذا كان الرئيس الأميركي الجديد مهتماً أصلاً بملف القضية الفلسطينية، وخصوصاً أن تركيزه في الفترة الأولى من حكمه سيكون علـى الداخل الأميركي وإعادة رأب الصدع الذي سببته سياسات الرئيس الخاسر، دونالد ترامب، بين الأميركيين، إضافة إلى نزع فتائل التفجير التي زرعها في أكثر من ملف دولي.
لكن يبدو أن هذا الأمر ليس في اعتبارات السلطة الفلسطينية التي عادت إلى رسم وهم إمكان العودة إلى المسار التفاوضي السابق، والذي أثبت فشله في مناسبات عدة، معوّلة على أن الإدارة الديمقراطية الجديدة لن تكون على القدر نفسه من الاصطفاف إلى الجانب الإسرائيلي، كما كان ترامب. قد يكون هذا صحيحاً، لكنه لن يعني أيضاً اصطفافاً إلى الجانب الفلسطيني، وخصوصاً أن النكسات التفاوضية الفلسطينية بشكل أساسي كانت في ظل حكم الإدارات الديمقراطية، تحديداً في كامب ديفيد وعهد بيل كلينتون، وهو ما لم تنسه الإدارة الديمقراطية اللاحقة، ممثلة بباراك أوباما الذي لم يقدم على مبادرة فعلية لإحياء العملية السلمية، وكانت جولات وزير خارجيته جون كيري شكلية، لم تحقق أي خطوة تقدم في هذا السياق.
مع ذلك لم تضع السلطة هذا في الحسبان، وسارعت إلى محاولة "تسليف" الإدارة الأميركية الجديدة موقفاً يظهر "حسن النوايا" الفلسطينية تجاه إسرائيل، وهو ما برعت فيه القيادة الفلسطينية كثيراً خلال السنوات الماضية، من دون أن يؤدي إلى نتيجة. على هذا الأساس، أعلنت السلطة بشكل مفاجئ أول من أمس الثلاثاء عن عودة التنسيق الأمني مع إسرائيل على المستويات كافة، رغم أن كل الأسباب التي أدت إلى اتخاذ قرار تجميد التنسيق لا تزال قائمة. فلا الحكومة الإسرائيلية أعلنت عن تخليها عن مشروع الضم في الضفة الغربية، ولا أوقفت بناء المستوطنات، ولا تراجعت عن مخططات التهويد. لعل الإنجاز الوحيد الذي يمكن وضعه في سياق هذا القرار هو حصول السلطة مجدداً على أموال المقاصة، وهو ما ربطه وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكينازي باستنئاف التنسيق الأمني، وهو ما حصل فعلاً. الأنكى من ذلك، أن معظم الأطر القيادية في السلطة الفلسطينية وفتح لم تكن على علم بالقرار، ولم تتم استشارتها فيه قبل أن يخرج عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ، ليعلنه على الملأ.
هذه الخطوة الفلسطينية تعد عملياً عودة إلى المربع الأول من وهم التسوية، وخصوصاً أنها تترقب أن يلاقيها الرئيس الأميركي المنتخب في منتصف الطريق عبر التراجع عن بعض القرارات الجوهرية التي اتخذتها إدارة ترامب في ما يخص القضية الفلسطينية، وتحديدا الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وسحب السفارة منها. غير أن هذا الأمر غير مضمون، وقد لا يحدث، فما يمكن أن يتخذه بايدن، أو ما قاله إنه سيفعله، هو إعادة تمويل الأونروا، وهو أمر غير مرتبط مباشرة بالسلطة، وربما إعادة فتح مقر الممثلية الفلسطينية في واشنطن، وهو أقل بكثير مما ترقبه السلطة ومما هي مستعدة لتقديم مزيد من التنازلات من أجله.