عودة "الإخوان" إلى السياسة

عودة "الإخوان" إلى السياسة

06 يوليو 2021
+ الخط -

ربما يبدو، للوهلة الأولى، أن حكومة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قدّمت تنازلاتٍ كبيرة لنظام الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مقابل تقارب تركيا مع مصر، ومؤشّر ذلك إجبار حكومة أردوغان القنوات التلفزيونية المصرية المعارضة التي تبثّ من إسطنبول على تغيير حدّة انتقاداتها لنظام السيسي، ثم وقف البرامج التلفزيونية المعارضة الأكثر شهرة التي كانت تبثها تلك القنوات، لمذيعين يتابعهم مئات الآلاف، بل ربما ملايين من الناس.
ولكن قراءة متمعنة في المشهدين، الدولي والإقليمي، الراهنين، يمكن أن تنبئ بأن أردوغان لم يتخل عن الإخوان المسلمين كما يبدو، بل هو في الحقيقة ينسّق معهم، ومع إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، تمهيداً لعودتهم إلى ساحة السياسة في الشرق الأوسط، التي غابوا عنها منذ انهيار حكم "الجماعة" في مصر عام 2013، أي بكلماتٍ أخرى أن الإجراءات التركية أخيرا تعدّ جزءاً من إعادة ترتيب أوراق القوى الفاعلة في المنطقة، بمن فيهم الولايات المتحدة ومصر وتركيا و"الإخوان"، وليست موقفاً معزولاً عن السياق الدولي.

مركز ثقل الإخوان المسلمين في المنطقة محله مصر، على الرغم من أنهم مُبعدون عن السياسة المصرية منذ سبع سنوات، وموسومون بالإرهاب في الخطاب الرسمي

من البديهي أن جماعة الإخوان المسلمين في غزّة؛ أي حركة حماس، ستكون لاعباً أساسياً في المنطقة بعد الحرب الإسرائيلية، أخيرا، على القطاع، بغض النظر عن كيفية تفسير مآلات تلك الحرب التي نراها، نحن العرب، انتصاراً مؤزّراً للمقاومة، وتراها إسرائيل وحلفاؤها انتصاراً لها، فالأمر أن سلطة "حماس" في غزّة لم يعد ممكناً تجاهلها نتيجة تلك الحرب، خصوصاً بسبب رغبة الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس جو بايدن إعادة ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط، وتقليص حضورها المباشر فيها لصالح حضور "وكلائها" و"مندوبيها"، كي تكون الولايات المتحدة أكثر تفرّغاً وتركيزاً على سعيها الدؤوب للحشد ضد الصين في المحيط الهادئ وشرق آسيا. وهذا بالضبط ما يفسّر التحركات الدبلوماسية لرئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، في الدوحة والرباط وبيروت، باعتباره ممثلاً لعنصر سياسي فاعل في المنطقة.
ولكن مركز ثقل الإخوان المسلمين في المنطقة محله مصر وليس غزّة، على الرغم من أنهم مُبعدون عن السياسة المصرية منذ سبع سنوات، وموسومون بالإرهاب في الخطاب الرسمي المصري. وليس معقولاً إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة من دون إعادة موضعة جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية المصرية؛ أقلّه إعادة عقارب الساعة إلى زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، بحيث تعود للجماعة، بوصفها قوة معارضة، حصة في الساحة السياسية. وأغلب الظن أن الجماعة سلّمت بخسارتها الحُكم الذي حازته نتيجة الانتخابات، وأدركت أن عليها قبول طاقة الفرج التي تفتحها لها أميركا اليوم. وهكذا يجد نظام الرئيس السيسي وجماعة الإخوان المسلمين أنفسهم مضطرين للتفاهم وفتح صفحة جديدة، بضغط من إدارة بايدن، على قاعدة توسيع الدور المصري في المنطقة، ليعود إقليمياً محورياً، بتفويض من الولايات المتحدة، كما جرى في شأن تفاهم القاهرة مع حركة حماس لوقف إطلاق النار في الحرب على غزّة. وسيكون أكبر مؤشّر على وجود هذه التفاهمات بين حكومة السيسي وجماعة الإخوان متعلقاً بعدم تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة، أخيرا، على قادة في الجماعة، وإصدار عفو عنهم بصيغةٍ ما.

لا يمكن تحقيق الهدوء في الشرق الأوسط من دون إرضاء حركة حماس وجماعة الإخوان الذين هم تنظيم سياسي يفهم السياسة جيداً

الملاحظ أن ما ينطبق على جماعة الإخوان في مصر ينطبق عليهم في الأردن، فبعد أن كانت حصّتهم في الساحة السياسية الأردنية قد تقلصت خلال السنوات الأخيرة، انعكاسا لسقوط نظام الإخوان في مصر (وهذا طبيعي، لأنهم تصرّفوا كما لو أن شوكتهم قد قويت لمّا كان محمد مرسي رئيساً في قصر الاتحادية)، فإن ما يشي بوجود تفاهماتٍ جديدةٍ تعيد لـ "إخوان الأردن" حصتهم السابقة في العمل السياسي أنه جرى اختيار أعضاء منهم في اللجنة الملكية لإصلاح المنظومة السياسية في الأردن، والتي جرى تشكيلها أخيراً.
وهكذا فإن "الإخوان" يستعيدون مواقعهم القديمة، ويقبلون بها حصةً لا يتعدّونها، بناء على طلب الولايات المتحدة من حلفائها في مصر وتركيا، وبتفاهم أميركي مباشر أو غير مباشر مع جماعة الإخوان التي يُفترض أنها مدّت، منذ سنواتٍ، قنوات تواصل غير معلنة مع الحزب الديمقراطي في واشنطن، حتى أن الجماعة المحظورة احتفت في بيانٍ، أصدرته نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت، بفوز بايدن في انتخابات الرئاسة الأميركية. غرض أميركا من هذا كله إعادة الهدوء إلى منطقة الشرق الأوسط، وهو الهدوء الذي لا يمكن تحقيقه من دون إرضاء حركة حماس وجماعة الإخوان، الذين هم تنظيم سياسي يفهم السياسة جيداً، ويعرف أنها "فن الممكن".
كذلك إن تحقيق الهدوء في الشرق الأوسط يعني خفض التوتر إلى الحدّ الأدنى بين المحاور الفاعلة فيه من جهة، ووقف حالة العداء من جهة أخرى بين حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، تعوّل عليهما لتنفيذ رؤيتها للشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، وهما مصر وتركيا. ومن هذا الباب، يأتي التقارب التركي المصري، متضمناً التفاهم مع "الإخوان" بمن فيهم المقيمون في إسطنبول.
ولا بد أن المنطقة مقبلة على مزيد من الهدوء في النقاط التي تركتها إدارة دونالد ترامب تشتعل؛ في الخليج واليمن والعراق وليبيا، لأن إدارة بايدن التي تسعى إلى التفرّغ لمواجهة الصين لا تريد "وجع رأس" في الشرق الأوسط!