عن هوس الدولة الفلسطينية

عن هوس الدولة الفلسطينية

27 سبتمبر 2021
الصورة

محمود عباس يلقي خطابه عن بعد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (24/9/2021/Getty)

+ الخط -

شارك رئيس السلطة الفلسطينية، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، رئيس حركة فتح، محمود عباس، في مداولات الدورة السادسة والسبعين لجمعية الأمم المتحدة العامة بكلمة مسجّلة يوم الجمعة الفائت، 24 سبتمبر، تحدّث فيها عن الوضع الفلسطيني الحالي، وعن البدائل المستقبلية، وعن الانتهاكات الصهيونية، وعن تقاعس المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته. وهو ما اعتبره بعضهم استعادة مكرّرة لخطابات سابقة، في حين وجده آخرون تصعيدا خطابيا وسياسيا واضحا، لذا لا بد من مرور سريع على أبرز ما ورد في الخطاب قبل استيضاح معانيه ودلالاته.
لتكن البداية مع تكرار دعوته المجتمع الدولي إلى عقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الرباعية الدولية، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولية استمرار انتهاكات الدولة الصهيونية للقانون الدولي، وممارستها التطهير العرقي بحق شعب فلسطين، من دون أن تخضع لأي مساءلةٍ ومحاسبة. وكذلك حذر الاحتلال من مغبة الاستمرار في تقويض حل الدولتين، والتهرّب من الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، اللذين سوف يفتحان أبوابا واسعة أمام بدائل أخرى، ستفرضها الوقائع القائمة على الأرض، من قبيل العودة إلى قرار التقسيم والمطالبة بحل يستند إليه. وفي حال استمرار الاحتلال في تكريس واقع الدولة العنصرية الواحدة كما هو قائم اليوم، سوف تفرض المعطيات والتطورات على الأرض الحقوق السياسية الكاملة والمتساوية للجميع على أرض فلسطين التاريخية في دولة واحدة.

الدولة الصهيونية هي المتحكّمة بمسار الأمور وفق رؤية عباس، وما علينا سوف انتظار انقضاء مهلة العام، حتى نرى قرارها بأم العين

وأيضا دعا عباس الدولة الصهيونية إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، في غضون عام من اليوم، متسائلا في حال عدم انسحابها خلال عام عن جدوى بقاء الاعتراف بـ"دولة إسرائيل" على حدود العام 1967، ومحذّرا، في هذه الحالة، من التوجه إلى محكمة العدل الدولية، بهدف استصدار قرار منها ينص على عدم شرعية احتلال أرض فلسطين، وتحديد مسؤوليات الأمم المتحدة ودول العالم إزاء ذلك. كما تضمّنت الكلمة أمورا أخرى، ولكن يُكتفي هنا بما سبق، على اعتباره أهم ما جاء في الكلمة أولا، ونظرا إلى معانيها ودلالاتها ثانيا
تتطلب محاولة فهم دلالات الكلمة وسياقاتها فرز النقاط التي تضمنتها إلى قسمين: الأول يعبر عن الاحتمالات المستقبلية، والثاني يتحدّث عن الأدوات والإمكانات. حيث يحصر عباس الاحتمالات المستقبلية باحتمالين فقط، على الرغم من تضمن الخطاب بعض العبارات تلوح باحتمالات أخرى، لكنه لم يذكر كيف ومتى ومن سوف يتبنّاها أو يطلقها؟ وكأنه لا يعيرها الاهتمام الكافي، أو كونه قد عرضها نوعا من البهرجة التي يتطلبها تضخيم إمكاناته أو إمكانات السلطة الفلسطينية، فالاحتمالان الوحيدان هما انسحاب الدولة الصهيونية من الأراضي المحتلة عام 1967، أو رفضها ذلك، وبالتالي فالدولة الصهيونية هي المتحكّمة بمسار الأمور وفق رؤية عباس، وما علينا سوف انتظار انقضاء مهلة العام، حتى نرى قرارها بأم العين. وبالتالي، لن تلعب المؤسسات التي يرأسها عباس (سلطوية؛ تنظيمية؛ منظمة) أي دور في تحديد الاحتمال الأرجح منهما. أي ينحصر دور المؤسسات التي يرأسها عباس، وفق خطابه، في تحديد الأدوات المناسبة لكل احتمال وفق الرغبة الصهيونية. وعليه، فقد حدد دور المؤسسات التي يرأسها في استكمال الاتفاقيات والمعاهدات والترتيبات في حال موافقة الدولة الصهيونية على الانسحاب.

يصرّ عباس على التمسّك بحل الدولتين اليوم وغدا وبعد انقضاء المهلة التي منحها للدولة الصهيونية

وفي حالة رفض الدولة الصهيونية الانسحاب، ينحصر دور المؤسسات التي يرأسها عباس في ملاحقة الدولة الصهيونية قضائيا عبر محكمة العدل الدولية، والتعلق بأمل جديد مفاده إحراج المجتمع الدولي من إصدار المحكمة قرارا ينصّ على عدم شرعية احتلال الأراضي المحتلة عام 1967 أولا، ويحدّد مسؤوليات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاه ممارسات الدولة الصهيونية غير الشرعية ثانيا. وكأن عباس ومريديه يدورون في حلقة مفرغة لا مفر منها، أو كأنه يقول، بأعلى صوته، إن بديل حل الدولتين هو حل الدولتين. أما حديثه عن المطالبة بتطبيق قرار التقسيم، وعن تصاعد الحركة الاحتجاجية والنضالية الباحثة عن تقويض أسس النظام الصهيوني العنصري، واستبدالها بنظام مواطنة كاملة في كامل الأراضي الفلسطينية التاريخيةٍ، فهو بمثابة تحذير من مغبّة خروج الأمور عن سيطرة عباس وفريقه، فهو لم يعبّر عن احتمال تبنّي المؤسسات التي يرأسها عباس أيا منهما أو غيرهما، لذا نسبهم إلى التطورات والمعطيات على الأرض.
إذا، يصرّ عباس على التمسّك بحل الدولتين اليوم وغدا وبعد انقضاء المهلة التي منحها للدولة الصهيونية أيضا، وكأنه يقول لدول العالم الكبرى وللدولة الصهيونية إنه متمسّك بإقامة دولة فلسطينية على 22% من مساحة فلسطين التاريخية وفق حل الدولتين، متجاهلا عن قصد قرار التقسيم المنطلق من 44% من أرض فلسطين التاريخية، وإن على الدول الكبرى تقدير هذه التنازلات اليوم قبل فوات الأوان وخروج الأمور عن السيطرة. كما لم يلوّح عباس في كلمته المسجلة بسحب الاعتراف بـ"دولة إسرائيل"، كما فهم منه بعضهم، بل تساءل عن جدوى بقاء الاعتراف بدولة إسرائيل وفق حدود ما قبل 1967! مجرد تساؤل لا أكثر ولا أقل.

عباس غير معني بالتحرير، ولا باستعادة الحقوق، وكل ما يعنيه اعتراف دولي بترؤسه دولة فلسطين، ولو كانت على كانتون صغير لا يرى بالعين المجرّدة

وعليه، يبدو من خطاب عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أخيرا، ومن عشرات الخطابات والتصريحات السابقة، أن كل ما يعني عباس هو إعلان الدولة، بغض النظر عن مساحتها وعن سائر حقوقنا، لذا لا ضرر من قبولها على 22% من مساحة فلسطين التاريخية، بل ربما يقبل بمساحة أقل أيضا إن امتلك القدرة على كمّ الأفواه الرافضة والمندّدة والغاضبة. فالموضوع بالنسبة لعباس لا يتعلق بأهمية احترام القانون الدولي والقرارات الأممية، وإلا، كما قال هو بخطابه الأخير، التمسك بالقرارات التي تعبر عن كامل حقوقنا وهي كثيرة، وأولها صك الانتداب، أو على الأقل على قسم أكبر من حقوقنا كما في قرار التقسيم الذي ذكره.
نجد في خطابات عباس وتصريحاته السابقة عشرات الأمثلة التي تكيل بالمديح لأشكال النضال السلمي والدبلوماسي والقانوني، في مقابل امتعاضه ورفضه النضال غير السلمي، لكنه يصر يوميا على إثبات رفضه جميع أشكال النضال السلمية والعنيفة، من تجاهل دعم انتفاضة كل فلسطين ومساندتها، أو على الأقل تشجيع المنتفضين فقط، إلى تهرّبه من دعم النضال القانوني والسياسي الهادف إلى فضح الدولة الصهيونية أمام شعوب العالم أولا وحكوماته ثانيا، والساعي إلى إثبات الحقوق والرواية الفلسطينية الأصلية، بعيدا عن خطاب التنازل والاستسلام ثالثا، فقد حاول عشرات من المناضلين الوطنين وسعوا إلى تعريف عباس وفريقه التنازلي عن مستندات الحقوق الفلسطينية الكاملة قانونيا وأمميا وسياسيا وشعبيا، لكن لا حياة لمن تنادي، فعباس غير معني بالتحرير، ولا باستعادة الحقوق، وكل ما يعنيه اعتراف دولي بترؤسه دولة فلسطين، ولو كانت على كانتون صغير لا يرى بالعين المجرّدة.