عن معضلات الجسم السياسي الفلسطيني

عن معضلات الجسم السياسي الفلسطيني

15 يونيو 2021
الصورة

(يعقوب إبراهيم)

+ الخط -

أثارت العريضة المطالبة بإقالة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية وحركة فتح، محمود عباس، أو استقالته، جدلا واسعا، بين الإدانة والتقليل من جدواها، كما نالت الحملة الوطنية لإعادة بناء منظمة التحرير نصيبها من النقد والتقليل أيضا، على خلفية حصرها في دمقرطة مؤسسات المنظمة، الأمر الذي يتطلب تدقيقا قليلا في بعض الحيثيات والتفاصيل التي قد تساهم في تحديد مسار حل مشكلات مجمل الجسم السياسي الفلسطيني ومعضلاته أولاً، وفي الاتفاق على الخطوات الضرورية ثانيا. من حيث المبدأ، لا يمكن المساواة بين بيان مطلبي محدّد يسلط الضوء على دور رأس هرم الجسم السياسي الفلسطيني الرسمي بمحمود عباس، ونقد منطلقات حملة معلنة ذات هدف وسبيل واضح. فالأول مجرّد تعبير عن رأي جماعي يمثل الموقعين عليه، من دون حصره بهم فقط، وبالتالي هو غير ملزم سياسيا وشعبيا، ولن يطيح رأس الهرم الرسمي، مع التأكيد على أهمية هذا الموقف الجماعي، فالغضب من أداء عباس وتصريحاته وسلوكياته قد بلغ ذروته في الأسابيع الماضية، ما يتطلّب الصراخ بالحد الأدنى، فكما يقول المثل؛ قد بلغ السيل الزبى. إذ لم يكتف القائم بمنصب رئاسة الجسم السياسي باستغلال منصبه لحجب أموال الشعب الفلسطيني عن معارضيه، وإطلاق يد أجهزته الأمنية على معارضيه في مناطق وجودها كما جرت العادة في السنوات الماضية، بل كانت تصريحاته ومواقفه في أثناء هبة (أو انتفاضة) كل فلسطين منفصلة عن الواقع الفلسطيني، وكأنه رئيسٌ لكوكب آخر، فضلا عن تجاهله دوره المفترض في دعم المقاومة الشعبية التي ادّعى سابقا تأييده لها، لصالح اهتمامه بعودة بعض الاتصالات الدولية، وخصوصا الأميركية، به وبإدارته فقط.

الحملة الهادفة إلى إعادة بناء منظمة التحرير تستدعي المشاركة الشعبية بهدف الضغط على الجسم السياسي الفلسطيني، من أجل تحقيق هدفها المنشود

من ذلك كله، كان لا بد من إعلان موقف جماعي ينبذ ذلك، ويعبر عن حجم السخط والغضب الكامن في صدر الجزء الأكبر من أبناء الشعب الفلسطيني، هذا الشعب المنشغل حاليا في معركته المصيرية مع جهاز التطهير العرقي والفصل العنصري الصهيوني، والمترفّع عن خوض صراعات جانبية الآن؛ على الرغم من أهميتها؛ خوفا من احتمالات تشتيت الجهود الوطنية والدخول في متاهاتٍ لا تحمد عقباها من ناحية، وتخفّف الضغط على جهاز الدولة الصهيونية من ناحية ثانية. وعليه، من شبه المستحيل الآن، وربما مستقبلا، أن يبادر أي طرفٍ إلى دعوة الحشود الشعبية من أجل انتزاع قرارها السيادي من قبضة القابضين عليه بالقوة الأمنية والمالية، ومن خلال الشرعية الخارجية التي لا تعترف بحقوقنا الوطنية والإنسانية. وهو ما يجعل من إعلان الموقف خطوةً ضرورية، وإن كان إجراءً معنويا غير مؤثر، ولنا بمئات العرائض المشابهة حول قضايا وحالات مشابهة، لا يتعدّى تأثيرها المجال المعنوي، كما في العرائض التي تدين إجرام الأنظمة عموما، سيما العربية، منذ العام 2011.
على صعيد آخر، الحملة الهادفة إلى إعادة بناء منظمة التحرير شأن آخر تماما، فهي تستدعي المشاركة الشعبية بهدف الضغط على الجسم السياسي الفلسطيني، من أجل تحقيق هدفها المنشود، من خلال إقراره بالخطوات التي اقترحتها، وهنا مكمن الاختلاف المقلق معها. فالطريق التي تتبناها الحملة من أجل تحقيق هدفها إشكالية، بل وقد يصح وصفها بالخادعة، فظاهرها جميل وبراق على عكس نتائجه التي لن تفضي إلى أي تغيير حقيقي. وبالتالي، سوف ينتهي طريقها إلى الوضع الحالي ذاته، نعم ذاته من دون أي تعديل يذكر سوى تغيير الآليات فقط. وذلك مردّه تجاهل الحملة ثلاثة عوامل محوريه ومتوازية الأهمية ومتساوية الأولوية في أي عملية تغيير حقيقية، يتمثل الأول في تحديد أي منظمة تحرير نريد، بمعنى هل نريد إعادة بناء منظمة تابعة لسلطة وظيفية، أم تلك التي كان يفترض بها قيادة حركة التحرّر الوطني، وتعبر عنه في برنامجها وخطابها ومؤسساتها وآلياتها. وعليه، لا بد من رفض كل التعديلات التي مسّت الحقوق الوطنية والرواية التاريخية والميثاق الوطني، وفي مقدمتها البرنامج المرحلي.

المطلوب الآن حل مجمل مؤسسات المنظمة، وتشكيل قيادة مؤقتة منزوعة الصلاحيات السياسية، ذات مهام إدارية وخدمية فقط

يتمثل العامل الثاني في إفراغ العملية الديمقراطية من جوهرها المؤسس، المتمثل في تهيئة بيئة ديمقراطية تسبق الممارسة الانتخابية الشكلية، فحصر دمقرطة المؤسسة، أي مؤسسة كانت، في العملية الانتخابية مجرّد تغيير شكلي لا يقدّم ولا يؤخّر، وثمة مئات التجارب الانتخابية العبثية، ربما جديدها مهزلة الانتخابات الرئاسية السورية. وعليه، المطلوب الآن، خطوة أولى في هذا المجال، حل مجمل مؤسسات المنظمة، وتشكيل قيادة مؤقتة منزوعة الصلاحيات السياسية، ذات مهام إدارية وخدمية فقط، في مقدمتها تهيئة البيئة والمناخ الديمقراطي وإدارتها في جميع الساحات الفلسطينية، لفترة طويلة نسبيا، قد تصل، وأرجح أن تصل، إلى قرابة العامين. تضمن حرية تشكيل ونشاط الأحزاب والقوى السياسية والنقابية والجمعيات، وتضع معايير واضحة، تنهي احتكار المال، وضمن عدالة توزيعه اجتماعيا وسياسيا. كما نحتاج إدارة شفافّة تسهل محاسبتها ومحاكمتها، مترافقة مع سهولة الحصول على المعلومات الخاصة بالمنظمة ومؤسساتها وهياكلها الخاصة، والمتعاملة معها، بما في ذلك جميع مكونات الجسم السياسي والمدني الفلسطيني، فضلا عن وضع قيود ومعايير صارمة للحد من سطوة المال السياسي، وسطوة توظيفه المصلحي، سواء من حيث اعتباره مدخلا لتدخلات القوى الخارجية، أو على اعتباره من أشكال شراء الذمم والأصوات الانتخابية.

كما تمكّن الشارع الفلسطيني من إيجاد مقاومته الشعبية داخل كل فلسطين، سيتمكّن كذلك من بناء هياكله التنظيمية والسياسية المعبرة عنه

وأخيرا، يكمن العامل الثالث في إعادة بناء علاقات المنظمة، انطلاقا من طبيعتها ذاتها، فهي تمثل حركة تحرّر وطني، أي تقود نضال الشعب الفلسطيني أينما كان. وبالتالي، هي منظمة شعبية أولا وأخيرا، تستمد قوتها ومكانتها من شعبها، لا من المؤسّسات الإقليمية والدولية. وبالتالي، يجب أن تعكس علاقاتها الخارجية طبيعتها التحرّرية والشعبية، كجزء من مجمل حركات التحرّر الإقليمية والعربية. وبالتالي، لا بد من تحريرها من قيود النظام الرسمي العربي، واستعاضتها بعلاقاتٍ متينةٍ مع الحركات الشعبية التحرّرية والتقدمية الإقليمية والعربية والدولية.
في النهاية، لا يتعارض توقيع العرائض مع خط مسار حل معضلات الجسم السياسي الفلسطيني ومشكلاته، إن وضعناها في مكانها الطبيعي من دون مبالغاتٍ لا داعي لها. كما لا بد اليوم من طرح رؤيةٍ متكاملةٍ وجذريةٍ تستمد قوتها من هبة (أو انتفاضة) كل فلسطين، حتى لو كان ذلك معقدا قليلا وصعبا، فكما تمكّن الشارع الفلسطيني من إيجاد مقاومته الشعبية داخل كل فلسطين، سيتمكّن كذلك من بناء هياكله التنظيمية والسياسية المعبرة عنه، ومنها سوف ينجح في بناء أو إعادة بناء هياكله التمثيلية كذلك، وهو ما نأمل حدوثه قريبا.