عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
(فاتح المدرس)
في السياسة يوجد أصحاب مصلحة أنانيون يتصرّفون في ضوء إدراكهم مصلحتهم وما يخدمها أو يضرّها. وهذا يحتاج إعمال العقل والحسابات المنطقية باستقلالٍ ضروري عن الانفعالات التي قد تسيء إلى المصلحة. وهناك جمهورٌ صاحب وجعٍ ومعاناة يتصرّف في ضوء مشاعره وانفعالاته، التي غالباً ما تكون مادّةً أوليّةً يحاول أصحاب المصلحة الاستثمار فيها وتوجيهها، وقد يكون هؤلاء السبب الرئيس في ما يعانيه الجمهور. يتحقّق نجاح أصحاب المصالح حين "يؤمن" الجمهور بهم، ويتبنّى مصالحهم على أنها مصالح الجمهور. في غياب الأحزاب، تكون الحلقة الوسيطة بين أصحاب المصالح هؤلاء والجمهور هي فئة من المتكلّمين الذين يسوّغون الربط بين الطرفَيْن، إمّا عن قناعةٍ منهم، أو عن نزوعٍ انتهازي بحثاً عن فائدة.
تصدّر رجل دين لتمثيل جماعة دينية في المجال العام دلالة فشل سياسي، ولا يقلّ دلالةً عن الفشل في أن يبرز تمثيل سياسي يتكلّم باسم طائفة دينية
ضمن فئة المتكلّمين الذين يؤثّرون في الجمهور، يشغل رجال الدين مكانةً مهمّةً، وهو ما يجعل أصحاب المصالح الأقوياء يتنافسون على استمالتهم، وهم كثيراً ما ينقصهم الزهد بالسلطة. لم يسمح التطوّر السياسي في سورية ببروز وعي جماهيري يفصل بين الشأنين الديني والدنيوي، لذلك يُتاح لرجل الدين أن يكون في وعي الجمهور ليس مجرّد عالم دين وحارس للعقيدة، بل يكون أيضاً "أباً" للجماعة يحوز من أبوّته هذه مكانةً تمثيليةً، ووزناً يمكن من خلاله أن يخدم "أبناءه" حين يُظلمون، وأن يمون بالتالي على "الأبناء" بأن يطلب منهم التحرّك لخدمة مسعاه. لا التطوّر في الوعي العام، ولا التطوّر في العلاقات السياسية، سمحا لقادة سياسيين بأن يتولّوا هذا الموقع "القيادي" الذي يتولّاه رجل الدين. حتى في ثورة 2011 في سورية، ولا سيّما في مراحلها الأولى، كان لرجل الدين حضور لدى المحتجّين أكثر فعّالية شعبية من حضور رجل السياسة.
الواقع أن تصدّر رجل دين لتمثيل جماعة دينية في المجال العام دلالة فشل سياسي عام، ولا يقلّ دلالةً عن الفشل في أن يبرز تمثيل سياسي يتكلّم باسم طائفة دينية. هذا وذاك يكرّسان التفكّك المجتمعي. لا يحمي المجتمع المتعدّد الهُويَّات سوى أن تُعالج أيّ مظلومية "هُويَّاتية" في إطار وطني، لا أن تُترك المظالم شأناً لأهل الهُويَّة نفسها.
فيما يخص الموضوع العلوي في سورية، الذي برز عقب سقوط نظام الأسد في الشهر الأخير من سنة 2024، يمكن تلمّس المخطّط السابق على الصورة التالية: هناك فئة من رجال النظام السابق العلويين، من أصحاب المصالح التي انهارت بسبب التغيّر الكبير الذي حصل مع سقوط نظام الأسد، تسعى إلى استعادة ما استطاعت من مصالحها. لكن هذه الفئة ترتبط في ذهن جمهور واسع من العلويين بمعاناة الفقر والفساد والموت المجّاني والأنانية، ثم التخلّي والخيانة. تزامنت خسارة هذه الفئة مع نشوء معاناة علوية من نوع جديد بلغت ذروتها في مجازر الشهر الثالث (مارس/ آذار) من 2025، ثم لم تجرِ معالجة هذا الخلل. الأهم أنه لا يبدو أن ثمّة اتجاهاً واضحاً لمعالجته: تهميش فظّ، ونقص اعتبار، واستباحة، إلى حدّ يشعر كثيرون من السوريين العلويين بأنهم يعيشون في ظلّ سلطة تعاديهم.
لم يتبلور خلال السنة الفائتة تمثيل سياسي سوري له من الحضور والتوجّه ما يجعله يتولّى معاناة العلويين المُستجِدّة ضمن منظور سوري عام، كما لم تنجح المحاولات السياسية التي قام بها بعضهم لبلورة قيادة سياسية للعلويين، ما سهّل بروز رجل الدين في الواجهة. بقي العلويون خلال السنة المنصرمة في حال سيئةٍ من المعاناة والضياع: أقلية دينية جرى تحميلها، في اختزال وثني للتعقيدات السياسية، مسؤولية مجازر وفظائع وخراب ودمار هائل، وهي مجرّدة من القوة ومن التمثيل السياسي ومن السند الخارجي، فتعيش بين سندان "الفلولية" ومطرقة الاستباحة. لم يتخيّل المرء أن يتّسع المجال العام للقول إن كل ما هو أقلّ من إبادة إنما هو كرمٌ بحقّ هذه الطائفة. يحصد العلويون اليوم الثمار المرّة للفراغ السياسي والديني والأخلاقي الذي أورثتهم إياه الطغمة الأسدية، ولشكلٍ مريضٍ من الوعي السياسي ذي المرجعية الطائفية طغى في المجال السوري العام.
لم يكن خافياً أن العلويين استكانوا في بادئ الأمر، ولم يصدُر عنهم أيّ ردّة فعل عدائية تُذكر تجاه المجازر أو تجاه الاستباحة التي سبقتها ولحقتها. وسبب ذلك شعور ضمني غير مُعلَن بالمسؤولية تجاه مأساة السوريين العامّة. وثانياً أملاً في أن الحال ستتحسّن مع الزمن بشكل ما؛ فمن غير المعقول أن يستمرّ القتل شبه اليومي، والتحقير المتكرّر من على المنابر وفي الشارع.
لكنّ الحال لم تتحسّن، والاستباحة استمرّت، وهذا مؤشّر على عدم جدّية السلطة في معالجة الأمر. ما تزال السلطة في دمشق تمشي، فيما يخص هذا الموضوع، في خطّ يحدّده، من جهة، إرضاء مشاعر سيطرة وانتقام لدى قطاع من السوريين السنّة من غير الكرد، طمعاً بتقوية العلاقة "الأهلية" بين السُّنة والسلطة، ومن طبيعة العلاقة التي أنشأها الأسد مع العلويين. ومن جهة أخرى، يحدّده مدى تحمّل الغرب، والجزء الأكثر وعياً مدنياً وحقوقياً بين السُّنة (الكرد والدروز لا يدخلون في حساب السلطة هنا، فلكل منهم قضيته الخاصّة التي تشغلهم عن الوقوف المبدئي والجادّ مع معاناة مكوّن آخر ضمن التفكّك السوري الحالي)، لهذا النوع من الاستباحة المنخفضة الشدّة.
مواجهة مطلب الفيدرالية لا تكون بمهاجمة المتظاهرين بتهمة الانفصال، بل بنزع أسباب خروجهم: الاستباحة المستمرّة
يمكن القول، إذن، إن الاستباحة الجارية بحقّ العلويين اليوم استثمار سياسي من جانب السلطة في دمشق. وهذا الحال المائل هو مجال لاستثمار سياسي من جانب من يجد له مصلحةً في الاستثمار، والمرشّح الأول هنا كبار الخاسرين من سقوط نظام الأسد، ذلك أن غالبية العلويين النافذين اقتصادياً، إن لم يكن كلّهم، هم من مستفيدي النظام السابق. وهذا يعني أن سعي سلطة دمشق إلى صياغة علاقة عصبية سنّية حول السلطة يدفع العلويين إلى أحضان من كان السبب في خرابهم، لا سيّما في ظلّ فشل بروز تمثيل سياسي وطني عام ذي وزن مؤثّر.
المطالب التي خرج بها السوريون العلويون في مظاهراتهم تجمع بين مطالب معاشية مباشرة (الحاجة إلى الأمان، إعادة الموظّفين إلى وظائفهم، الإفراج عن المعتقلين أو محاكمات عادلة لهم... إلخ)، ومطلب سياسي (الفيدرالية) جرى تحميله للمظاهرات بإرادة واعية من أصحاب مصالح يطمحون إلى أن يكونوا أسياد "الإقليم الفيدرالي" المنشود.
مواجهة هذا المطلب السياسي بشكل واعٍ ومسؤول لا تكون بمهاجمة المتظاهرين بتهمة الانفصال والتقسيم، بل بنزع أسباب خروجهم، وهي الاستباحة المستمرّة؛ فالناس يطالبون بالفيدرالية ظنّاً منهم أنها علاجٌ للاستباحة. يخطئ من يظنّ أن شيئاً يمكن أن يصون وحدة البلاد ويعزّز قوتها سوى العدل والمساواة.