عن مذكّرات خْوان كارلوس

13 نوفمبر 2025
+ الخط -

صدرت في باريس، الأسبوع الماضي، عن دار النشر ''سْطوك''، الطبعة الفرنسية من مذكرات العاهل الإسباني السابق خوان كارلوس، تحت عنوان ''المصالحة''، أشرفتْ على تحريرها الكاتبة الفرنسية لورونْس دوبري. وعلى الرغم من أن الطبعة الإسبانية لن تصدر قبل مستهل الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول)، إلا أن المذكرات قُوبلت بمتابعة واسعة في إسبانيا بعد نشر فصولٍ منها في صحف فرنسية وإسبانية. وقد كان لافتاً أنها تصدر بالتزامن مع الذكرى الـ50 لوفاة الجنرال فرانثيسكو فرانكو، وتنصيب خوان كارلوس ملكاً على إسبانيا. وهما واقعتان ما زالتا تثيران جدلاً في إسبانيا، ولا سيما في الأوساط المؤيدة لعودة الجمهورية التي أنهى فرانكو حكمها بانقلابه (1936)، الذي كان الشرارة الأولى لاندلاع الحرب الأهلية (1936-1939).

يقول خوان كارلوس في مقدمة مذكراته إن سبب إقدامه على كتابتها ونشرها شعورُه بأن ''روايتَه قد سُرقت منه''، فارتكابُه أخطاءً فادحة أضرّت بصورته وصورة الملكية، لا ينبغي أن يحجب دوره في مسار التحوّل الديمقراطي في إسبانيا؛ إنه يدافع عما يسميه ''إرثه الديمقراطي''، في بلدٍ وصل إليه أول مرة وهو في العاشرة، ليعيش تحت وصاية فرانكو، الذي لا يخفي، بالمناسبة، تقديره له، يقول: ''كنتُ أكنّ له احتراماً كبيراً، وأقدّر ذكاءه وحنكته السياسية (..) لم أسمح يوماً لأحد بانتقاده في حضوري''. هذا التقدير رأى فيه بعضهم استفزازاً يحمل رسالة سياسية لا تخلو من دلالة، ولم يتردّد وزيرُ الثقافة، والقيادي في حزب ''سومار'' اليساري المناهض للملكية، إرنستْ أورتاسون في انتقاد هذه الفقرة، قائلاً: ''من المثير للاشمئزاز أن يجرؤ أي شخص اليوم على كيل المديح للدكتاتور أو تبرير أفعاله''.

توقف خوان كارلوس في مذكراته عند محطات مفصلية في حياته، منذ ولادته في المنفى في روما (1938)، مروراً بطفولته التي قضى شطراً منها في إيطاليا وسويسرا، قبل أن تنتقل أسرته إلى البرتغال، ثم إلى إسبانيا، حيث تلقى تعليمه تحت وصاية فرانكو. كذلك استعاد لحظة تصديق البرلمان الإسباني على تنصيبه وريثاً للعرش، بدلاً من والده ألفونسو الثالث عشر الذي لم تكن علاقته جيدة بفرانكو. وتبقى المحطّة الأكثر دراماتيكية في حياته واقعة قتله أخاه الأصغر ''ألفونسو'' (14 عاماً) في 1956 (بالخطأ)، في غضون تناوبهما على اللعب بمسدسٍ في بيت العائلة في مدينة إسطوريل البرتغالية. يقول: ''أفرغنا المسدس، لكننا لم ننتبه إلى أن هناك رصاصة في مخزنه، ضغطتُ على الزناد، فانطلقت الرصاصة لتستقر في رأس شقيقي''.

لم يُفوّت ملك إسبانيا السابق الفرصة ليُعرج على محاولة الانقلاب الشهيرة في 23 فبراير/ شباط 1981، حين اقتحم ضباط إسبان مبنى البرلمان واحتجزوا النواب رهائن. لقد ''وضعت تلك المحاولة مصير الملكية والبلاد على المحك'' وفق تعبيره. كذلك تحدث عن المعركة التي خاضتها الدولة والمجتمع الإسبانيان ضد منظمة إيتـا الباسكية، إذ رأى فيها المعركةَ ''الأكثر ضراوة وإيلاماً'' إبّان عهده. هذا من دون أن يغفل، بالطبع، الإشارة، بمرارة، إلى اضطراره إلى التنازل عن العرش لنجله (الملك فيليبي السادس) في 2014، بعد تراجع شعبيّته جراء الفضائح التي لاحقته. وبخصوص مآل الملكية الإسبانية، لم يُخْفِ قلقه بشأن مستقبلها، مُبدياً ''استعداده لبذل جهده لتعزيز موقع ابنه، وضمانِ خلافة سلسة لحفيدته الأميرة لْيونورْ''.

لم ينسَ خوان كارلوس في مذكراته أن يأتي أيضاً على ذكر الهدايا التي تلقّاها من بعض ''الملكيات العربية'' (اعتبرها ''كَرماً من هذه الملكيات تجاه الملكية الإسبانية'')، وارتباطِ هذه الهدايا بثروته وتشعّب مصادرها، فاعترف بأن قبوله هدية، بقيمة مائة مليون دولار، من العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز كان ''خطأً كبيراً''.

يرى طيفٌ عريضٌ من الإسبان في المذكرات محاولة متأخرة لتحسين خوان كارلوس صورته التي أساء إليها كثيراً بمغامراته العاطفية وعلاقاته المشبوهة بدوائر المال والأعمال. غير أنه لا يفتأ يذكّر بأن هذه المذكرات، هي في المحصلة، ''روايتُه الشخصية للتاريخ''، يرويها من منفاه في أبوظبي، و''يحرص على تقديمها قبل أن يعاجله الموت''.