عن قيم الأسرة البولندية

عن قيم الأسرة البولندية

24 ابريل 2021
الصورة

مسيرة لدعم القيم المسيحية للأسرة البولندية في نوفي ساكش في بولندا (6/10/2019/Getty)

+ الخط -

حين أقرأ تعبير "قيم الأسرة"، فإن أول ما يتبادر إلى ذهني القضايا العبثية التي واجهتها فتيات مصريات نشرن مقاطع رقص على تطبيق "تيك توك"، لكن التعبير نفسه يحمل دلالاتٍ مختلفة تماما على جانب آخر من الكوكب! حكت لي الصحافية الأميركية، آنا سوسمان، عن تجربتها المدهشة بتغطية حملة "قيم الأسرة" في بولندا، والتي حملت إلى الحكم واحداً من أعتى الأنظمة اليمينية في أوروبا اليوم. تبدأ القصة في عام 2001، حين تأسس حزب العدالة والقانون، حزبا يمينيا محافظا، يعلي من قيم القومية البولندية والمسيحية الأرثوذكسية في مواجهة أوروبا الليبرالية. وكما هو متوقع، لم تجاوز نتيجته في أول انتخابات خاضها 9% فقط من الأصوات. وفي 2004، انضمت بولندا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني المزيد من التدهور لهذا الحزب السابح ضد التيار، حيث استمر في تحقيق الفشل الانتخابي الذريع.

ماذا حدث، إذن، ليحقق الحزب مفاجأة فوزه عام 2015 ثم في 2020، هل أصيب ملايين البولنديين بالجنون بشكل مفاجئ؟ الإجابة في كلمتين: قيم الأسرة!

اتخذ الحزب قرارا درامياً بالتوقف عن التركيز على القومية البولندية، والتركيز على فكرةٍ أكثر جذبا لعامة الشعب، هي دعم قيم الأسرة. وفي حملته عام 2014، طرح وعدا ببرنامج سخي للدعم المالي للأسر، تحت اسم "الأسرة "500 +"، أي أن كل طفل بعد الطفل الأول سيحصل على 500 زلوتي بولندي شهريا (حوالي 125 دولارا)، في بلد يبلغ متوسط الدخل فيه ألفي زلوتي. أخبرتني آنا أنها بدأت حياتها صحافية اقتصادية، لذلك دائماً ما تبحث عن إجابات في تأثير الاقتصاد على حياة الأفراد، وأن تصوير بعض الكتابات في الإعلام الغربي أن الأحزاب اليمينية الصاعدة في شرق أوروبا هي مجموعة من المتعصبين والحمقى تسطيح غير منطقي. لذلك ذهبت لترصد الواقع بنفسها. ثم نشرت آنا تقريراً مطولاً عن تجربتها في مجلة ذا أتلانتيك الأميركية، حيث نتعرّف على تفاصيل حياة أسرة لديها طفلان يحصلان على ألف زلوتي إضافي شهرياً.

شعرت الأسرة بالأمان والاستقرار، بينما تحظى لأول مرة بهذا النوع من الدعم الذي كان موجودا حصرياً في دول غرب أوروبا الأغنى، مثل ألمانيا والنرويج. ولأول مرة أيضا اكتسبت عادات أسر غرب أوروبا، حيث تقوم الأسرة برحلة سنوية إلى الخارج، وكانت هذه السنة من نصيب إيطاليا.

قال لها الأب: "الآن، لم يعد علينا التفكير مرتين في كل النفقات". وقال إن في حزب القانون والعدالة "بعض الأشخاص المجانين"، لكنهم حققوا شيئاً بالفعل، وأصبح وضعنا أفضل. بالمثل، قام حزب أوربان في المجر بإجراءات شبيهة.

بعد نجاح البرنامج تم تطويره، فأصبحت المنح المالية تغطي كل الأطفال، وليس بدءأ من الثاني، كما تم منح تخفيضاتٍ ضريبيةً بالغة السخاء، وصلت إلى السماح بتلقي الأموال، حال عدم استخدام الخصم، إذا أصبحت الضرائب المستحقة "سالبة القيمة"!

قالت لي آنا إنها التقت أماً لثلاثة أطفال، أخبرتها أنها ستنجب الرابع، ليعني هذا أنها لن تدفع أي ضرائب مدى حياتها. التسهيلات شملت أيضا دعماً حكومياً لشراء السيارات سعة سبعة ركاب. إذن، تقدّم هذه الأحزاب مزيجاً فريداً من سياسات يسارية في الاقتصاد، ويمينية في السياسة، وهكذا تحصل على أصواتٍ من الطرفين، وتهزم الممثلين التقليدين لكليهما. ولهذا احتفظ الحزب بموقعه، على الرغم من انتقاداته بالغة الحدّة للاتحاد الأوروبي، ورفضه أي قوانين تدعم المثليين أو اللاجئين أو الإجهاض، وغيرها من نقاط خلافه مع الأوروبيين، في بلد يُضرب به المثل في شعبية الاتحاد بين مواطنيه، حيث صوّت البولنديون للانضمام إليه بنسبة 74%، وزاد الرقم في السنوات التالية في استطلاعات الرأي، حتى جاوز 80%.

على الرغم من أن هذه التجربة بعيدة كل البعد عن أسئلة بلادنا ومشكلاتها، إلا أنه من اللافت التعرّف على تجربة تغيير القوى السياسية خطابها وبرامجها استجابة لمستجدّات الواقع قبل فوات الأوان، وكم من حركاتٍ سياسيةٍ تجاوزها الزمن والجماهير، مهما كانت عدالة القضية ونبل الغاية وبطولة حماة القضية.