عن قصص يوسف خليفة
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
من أجمل المجموعات القصصية التي قرأتُها أخيراً مجموعة تحمل عنوان "زمن سيد اللؤلؤ"، للقاصّ الكويتي يوسف ذياب خليفة (منشورات ذات السلاسل، الكويت، 2024)، وقد صدّرها الروائي والقاصّ الكويتي طالب الرفاعي بمقدّمة من سبع صفحات.
ومع تنوّع موضوعات القصص، فكل قصّة جسد مستقلٌّ بذاته، إلا أن هناك فلسفة خفية تجمع القصص جميعها ضمن رؤية واحدة متماسكة، وخيط ناظم خفي يمكن تلخيصه بالكويت قبل اكتشاف النفط؛ حين كانت الحياة بسيطة، وأوجاع الناس متعدّدة ومشتركة، والموت يمشي في الطرقات، إن صحّ التعبير. لكنّ الكاتب استطاع أن يلتقط من تلك الحياة الرتيبة قصصاً شائقة مكتوبة بلغة سلسة لا تخلو من موهبة وإبداع. كما يتضح أن الكاتب بذل مجهوداً في جمع حطب القصص وتفاصيلها من مفردات وأنماط حياة ومهن، ما مكّن القارئ من أن يعيش أجواء تلك الفترة من دون ارتباك، مفصولاً مؤقّتاً عن واقعه المعيش. كما استطاع أن يلامس الصراع الخفي (من دون تصريح) بين صوتَي التطرّف والتسامح في المجتمع الكويتي إبّان تلك الفترة التكوينية الثرية، إذ يصعُب تقبّل الجديد من دون ألم وصراع. كما سنجد في موضوعات القصص ما يشبه جرداً لمختلف المهن العريقة في الكويت، وقد وظّفت توظيفاً سردياً. وجميع هذه المهن بحْرية أو قريبة من البحر، وكان اللؤلؤ سيّداً فيها أو مطمحاً لبلوغ أي أمل لتحسين العيش، وذلك قبل اكتشاف النفط في الكويت، وتصدير أول شحنة بترول عام 1946.
يكتب الرفاعي في مقدّمته الوافية: "لقد اختار يوسف لمناخات قصصه أجواء فترة تاريخية قلّما تناولها قاص كويتي شاب. حيث ذهب الكاتب لسنوات وأحداث وشخصيات ابتعد كثيرون عن الذهاب إليها، واستطاع التصدّي لمجموعة من القصص الاجتماعية بموهبة الكاتب المُقتدِر، حيث أظهر بصدق وحرفية عالية، عوالم وملامح تلك السنين من تاريخ المجتمع الكويتي".
وإذا كانت المجموعة تشتمل على موضوعاتٍ وحكايا شعبية، إلا أنها لم تُقدَّم بتلك الطريقة الخطّية التي تُحكى بها الحكايات مباشرة من الشفاه إلى الأسماع، إنّما كان للسرد وتقطيعاته الزمنية الدور الأساس في تقديمها. كما يرى الفيلسوف الفرنسي، بول ريكور، في كتابه "الزمان والسرد" أن طريقة الكاتب في اللعب بالزمن هي أبرز ما يُحكم على قيمتها وجودتها الفنّية. والقصص أيضاً أجادت توظيف السخرية المستملحة من دون تكلّف أو إكراه، ما وفّر للقصص حصّة من الإمتاع أبعدها عن التقريرية والمباشرة، وجعل القارئ مشاركاً في بنائها من دون إعمال جهد سوى جهد القراءة؛ أو كما قال يوسف حقّي مرّة ما معناه: إن القصص الجيّدة هي تلك التي لا تشعرك بأنك تقرأ، أو تقرأ وكأنّك تعايش القصص، وذلك من طريق حُسن توظيف الحدث واللغة والحوار.
نعيش في قصّة "ناي وسط العتمة" مع إدانة مضمرة للتعصّب ضدّ الفنون الجميلة؛ إذ يتدخّل جار متزمّت في تنبيه ابن جاره بأنه يستخدم آلة الناي في الليل والناس نيام ليوقظ الشيطان من نومه. وحرصاً من الأب على تلك الجيرة، يقرّر التخلّص من تلك الآلة الجميلة بطريقة قاسية. وفي قصّة "البشتخته" يمتنع أبو جراح عن المشاركة في الصلاة على الميت لأنه مذنبٌ، فيردّ عليه صديقه أبو جاسم: "الرحمة تجوز على الجميع يا بو جراح، والأجر لك عند دفنك للميت لا له". ما يمكن أن يذكّرنا بحادثة ممات ودفن الشاعر المبدع فهد العسكر عام 1951.
وفي قصّة "ميكيموتو" (من 15 صفحة) يسود جوّ من السخط الشعبي المضمر على الياباني ميكيموتو الذي تسبّب (حين اكتشف اللؤلؤ الاصطناعي) في التدمير البطيء لمهنة صيد اللؤلؤ، وفي تدمير أحلام كثير من الشباب والأُسر الذين كانوا يشقّون أصعب الطرق في الأعماق، وعبر عادات وطباع عريقة، من أجل اصطياد اللؤلؤ الحرّ والطبيعي. كما ترد في القصّة عبارة "أبعد من عُمان" في حوار حزين بين شاب وزوجته، حين سألته عن موطن هذا الشخص ميكيموتو، فأجابها بأنه اليابان. ولم يكن يخطر للجدّة حينها أن ثمّة مكاناً في العالم أبعد من عُمان، التي أتى ذكرها في كثير من المتون الأدبية التاريخية رمزاً للبعد والنأي الجغرافيَّيْن.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية