عن قانون تجريم التطبيع في تونس

عن قانون تجريم التطبيع في تونس

24 مايو 2021
الصورة

في مسيرة في العاصمة تونس ضد تطبيع الإمارات والبحرين مع إسرائيل (15/9/2020/الأناضول)

+ الخط -

استعجال مجلس الشعب (البرلمان) التونسي النظر في مقترح قانون تجريم التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي خطوة مهمة نحو الغربلة والفرز في القوى السياسية بمختلف توجهاتها وخلفياتها الايديولوجية وانتماءاتها السياسية وولاءاتها الإقليمية والدولية. وهو أيضاً مناسبة لاختبار صدق النيات والسرائر وحقيقة الانحياز اللامشروط للقضية الفلسطينية، بغض النظر عن الغنائم الآنية والمصالح الظرفية والحسابات الضيقة وإكراهات السياسة... فالبحث في صدق النيات هو استكشاف لهوية مجموعات سياسية، ولمدى تطابق مواقفها وتصريحاتها مع ممارساتها الميدانية والواقعية، وهو أيضاً استخلاص لازدواجية الخطاب والفعل السياسيين أو إقرار لوحدانيتهما وثبات البوصلة وعمق الإيمان بالقضايا العادلة، فمع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني الأعزل من مجازر وتدمير ممنهج وقتل وتشريد وتهجير، ومع صموده البطولي الأسطوري في وجه العدو الصهيوني الغاشم، في وقت سعت فيه أنظمة عربية رسمية إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، للظفر بمنافع ومكاسب ظرفية، أو للحفاظ على المناصب والمراكز، استجداء للقوى العظمى، حتى تمنحها غطاء زائلاً من الشرعية الموهومة، واعتقاداً منها أنّ ما جناه الربيع العربي من خراب وحروب ودمار على بعض الدول العربية سيلهي شعوبها عن قضيتهم المركزية والمحورية، قضية فلسطين التي ترزح تحت الاحتلال الاستيطاني العنصري، والتي ظلت جُرحاً ينزف في ضمير كلّ مواطن عربي يذكره بعجزه ووهنه وغيّ حكامه وتسلّطهم.

استعجل نواب في مجلس الشعب النظر في المقترح، في ظلّ ما يعيشه الشعب الفلسطيني من عدوان وظلم وقهر مسلط من الكيان الصهيوني

هذا الواقع العربي البائس إن قرأناه قراءة واقعية مجرّدة يجعلنا نستقرئ جزافاً عزلة القضية الفلسطينية، ودخولها طيّ النسيان وتهميشها وتجريدها من طابعها المحوري، عربياً ودولياً. وترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيره بمفرده في محيط جيوسياسي متنكر له، ومنشغل عنه. لكنّنا نُفاجأ بانتفاضةٍ مقدسيةٍ عارمةٍ، تتمدد تدريجياً، وتعيد إلى القضية زخمها ورمزيتها، بل وكونيتها وديمومتها، وتدكّنا صواريخ المقاومة دكّاً، وتستنهض فينا همماً كادت تتهاوى، ونواجه بأطفال وشباب عزّل يتصدّون بصدور عارية لآلة القمع الصهيونية، ويتحدّون جبروتها ودمويتها وصلفها... صور صادمة تهزّ مشاعرنا، وتحيي ضمائرنا، وتعيد الأمل فينا.
ويتعلق مقترح القانون عدد 2020/151 الذي قدّمه 26 نائباً ينتمون، في أغلبهم، إلى الكتلة الديمقراطية (حركة الشعب والتيار الديمقراطي) بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتم إيداعه في مكتب المجلس في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2020، بمعنى أنّ مقترح القانون ظلّ يراوح مكانه منذ عدة أشهر في رفوف كتابة مجلس نواب الشعب، ولم يعرض على اللجنة المختصة لدراسته والنظر فيه، ما دفع مجموعة من نواب الشعب إلى استعجال النظر فيه، في ظلّ ما يعيشه الشعب الفلسطيني من عدوان وظلم وقهر مسلط من الكيان الصهيوني، فيعبر هذا المقترح، عملياً وفعلياً، عن مساندة مجلس نواب الشعب القضية الفلسطينية، وحشد الدعم لها عبر إجراءات ملموسة وقواعد مضبوطة تترتب عن مخالفتها عقوباتٌ وآثار قانونية، وتتجاوز المعاضدة، بذلك، أسوار الشعارات والخطابات الرنانة لتتجسّد عبر نصوص تشريعية، تعبر عن الإرادة العامة إرادة الشعب الذي هبّ لنصرة إخوته في فلسطين، بكلّ ما أوتي من وسائل وإمكانات، بالتظاهر ورفع الرايات الفلسطينية، وشنّ حرب إلكترونية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، للتنديد بالجرائم الصهيونية، بل عبّر بعضهم عن استعداده لمناصرة إخوته في ميادين الوغى والنضال إن سنحت له الفرصة، لتجاوز الحدود وولوج الأراضي المغتصبة. ذلك أضعف الإيمان، كما ردّد المندّدون والمستنكرون والساخطون على القمع الصهيوني سخطهم على جبن بعض الحكام وتواطئهم وخياناتهم التي أضحت موصوفة ومفضوحة، بعدما كانت تحاك في الخفاء وفي جنح الظلام.

توخّى المقترح نزعةً تفصيلية تخوّل له الإلمام بمختلف أشكال التطبيع ومظاهره، وتجعل إسرائيل كياناً محتلاً وغاصباً لا للأراضي الفلسطينية فحسب، بل للجولان ومزارع شبعا

يحق للشعب التونسي الساخط أن ينتظر من ممثليه في مجلس نواب الشعب أن يتوخّوا خطواتٍ عملية لنصرة القضية. ويتكون مقترح القانون المقدم للمجلس من ثمانية فصول، يتضمن فصله الأول تحديداً لمصطلحي التطبيع وإسرائيل، إذ يقصد بالتطبيع إقامة علاقات طبيعية مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل وأجهزتها ومواطنيها، وتُعرّف إسرائيل بأنّها الكيان الصهيوني المحتل والغاصب للأراضي الفلسطينية وللجولان ومزارع شبعا. وتوخّى المقترح نزعةً تفصيلية تخوّل له الإلمام بمختلف أشكال التطبيع ومظاهره، وتجعل إسرائيل كياناً محتلاً وغاصباً لا للأراضي الفلسطينية فحسب، بل للجولان ومزارع شبعا، وتنزع عنه صفة الشرعية والكينونة الدولية.
الفصل الثاني من مقترح القانون أكثر تفصيلاً وتدقيقاً، عبر ضبطه الأفعال المكونة لجريمة التطبيع، وحصرها في صنفين من المعاملات مع الكيان الصهيوني، يتعلق الأول بعمليات الاتجار والتعاون والمبادلات والتحويلات بكل أنواعها، التجارية والصناعية والحرفية والمهنية والخدمية والثقافية، والتي تتم بين أشخاص طبيعيين أو معنويين من ذوي الجنسية التونسية، أو المقيمين بالجمهورية التونسية، وكلّ الأشخاص الذين تربطهم علاقاتٌ مع مؤسسات إسرائيل الحكومية وغير الحكومية العمومية أو الخاصة. ويشمل الصنف الثاني من المعاملات المحظورة، المشاركة في الأنشطة والفعاليات والتظاهرات والملتقيات والمعارض والمسابقات، بأنواعها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والفنية والرياضية التي تُقام على الأراضي المحتلة من الكيان الصهيوني، أو التي تُشارك في تنظيمها إحدى المؤسسات الإسرائيلية خارج الأراضي المحتلة. والجدير بالملاحظة والتنبيه أنّ التجريم لا يشمل المرتكب الأصلي للفعل الإجرامي فقط، بل يمتد إلى المشاركة والمحاولة، بمعنى أن المشاركة والمحاولة موجبتان للعقاب. وحرص مقترح القانون على التأكيد على ذلك، حيث اعتبر الفصل الثالث أن المحاولة في جريمة التطبيع مع الكيان الصهيوني موجبة للعقاب طبقا لمقتضيات الفصل 59 من المجلة الجزائية. وضبط الفصل الرابع مفهوم الشريك في جريمة التطبيع بأنّه كلّ من ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في المساعدة في ارتكاب الأفعال المذكورة آنفاً، وتنطبق عليه أحكام الفصل 32 من المجلة الجزائية.

سقوط التتبع في جرائم التطبيع بعد مرور ثلاث سنوات من تاريخ ارتكابها، وسقوط العقاب المحكوم به بعد مضي عشرة أعوام من تاريخ صدور الحكم

كما يعاقَب مرتكب جريمة التطبيع بعقوبة سجنية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وبغرامة مالية بين عشرة آلاف (3676 دولاراً أميركياً) ومائة ألف دينار (36 ألفاً و760 دولاراً)، بالإضافة إلى العقوبات التكميلية المنصوص عليها في الفصل الخامس من المجلة الجزائية، والتي يمكن أن يسلّطها القاضي بناءً على اجتهاده الخاص، فنزعة مقترح القانون نحو تشديد العقاب، والتأكيد على البعد الزجْري الردعي لنصوصه واضحة، لا يكتنفها لبس، سواء من حيث طبيعة العقوبات المسلّطة التي تشمل العقوبات السجنية والمالية والتكميلية، أو من حيث شدّتها وصرامتها.
وقد جعل مقترح القانون وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس يستأثر بإثارة الدعوى العمومية، ويحتكر ممارستها في جرائم التطبيع، واقتصر دور وكلاء الجمهورية لدى بقية المحاكم على الإذن بالقيام بالأبحاث الأولية المتأكدة، لقصد مُعاينة الجرائم وجمع أدلتها والكشف عن مرتكبيها، ويتولون الإعلامات الاختيارية والشكايات والمحاضر والتصاريح المُحرّرة بشأنها ويستنطقون ذا الشبهة بصفة إجمالية بمجرّد مُثوله أمامهم، ويأذنون بوضعه على ذمة وكيل الجمهورية في المحكمة الابتدائية بتونس. وتضمن المقترح أيضاً أحكاماً تتعلق بسقوط التتبع في جرائم التطبيع بعد مرور ثلاث سنوات من تاريخ ارتكابها، وسقوط العقاب المحكوم به بعد مضي عشرة أعوام من تاريخ صدور الحكم. ولعلّه كان منتظراً، في هذا الصدد، تخصيص بعض الجرائم الخطيرة بأحكام خاصة، تجعل تتبع مرتكبيها لا يسقط بمرور الزمن.

مقترح القانون، على أهميته، لا يخلو من هناتٍ ونقائص وضبابية، سيُتاح المجال لتداركها عبر مناقشتها والتداول فيها في مجلس نواب الشعب

خلاصة القول، يهدف مقترح قانون تجريم التطبيع إلى إحلال قطيعةٍ مع كلّ أشكال المعاملات مع الكيان الصهيوني، وتجريمها عبر تسليط عقوباتٍ على مرتكبيها. وإذا نزل في سياق موجة من التطبيع العربي والانتهاك الصارخ لحقوق الشعب الفلسطيني، فإنّه يكتسي بعداً رمزياً وواقعياً عظيماً في مناصرة القضية الفلسطينية، والردّ على كلّ المشكّكين والمطبّعين والمزايدين. لكنّ مقترح القانون، على أهميته، لا يخلو من هناتٍ ونقائص وضبابية، سيُتاح المجال لتداركها عبر مناقشتها والتداول فيها في مجلس نواب الشعب، ومن ذلك اعتماد مصطلح إسرائيل، وما يكتنفه من ضبابية وهلامية تتعارضان مع الدقة والوضوح في صياغة النصوص القانونية، فكان يستحسن اعتماد مصطلح الكيان الصهيوني وتدقيق امتداده الجغرافي والتاريخي، عبر ضبط مجاله الاستيطاني والأراضي التي يحتلها. وكذلك الشأن بالنسبة لمصطلح التطبيع الذي بدا فضفاضاً. أضف إلى ذلك أنّ الأفعال المكوّنة لجرائم التطبيع تبقى دون المستوى المطلوب، إذ وجب تدقيقها وحصر مجالاتها وآلياتها وأشكالها، بما يضفي عليها طابعاً من الشمولية والامتداد إلى كلّ الطرق المبتدعة والمستجدّة في التطبيع، ولكلّ الأساليب المعتمدة في التبرير. كما أنّ قواعد الاختصاص القضائي تثير بعض تحفّظات، من ذلك إقصاء القضاء العسكري من النظر والحكم في هذه القضايا. والحال أنّ جرائم التطبيع قد تتحوّل، في بعض الحالات، وبالنظر إلى ملابساتٍ تحوم حولها، إلى خيانةٍ عظمى وأعمال إرهابية تنتهك الأمن القومي والسيادة الوطنية، وتستدعي تدخل القضاء العسكري وحصر مجالات اختصاصه فيها. أضف إلى ذلك استئثار وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية في تونس بالاختصاص الحصري في إثارة الدعوى العمومية وممارستها، وما يترتب عن ذلك من إثقال لكاهله، وترسيخ لمركزية إثارة الدعاوى المتعلقة بجرائم التطبيع، وتضييقٍ للخناق على بقية المتدخلين في هذا الشأن.
ومهما يكن من أمر، لا مجال للشك في أهمية تخطّي عتبة التشريع وتجريم التطبيع قانوناً، لا سيما أنّ دسترة التجريم تصدّت لها بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها حركة النهضة، وقللت من شأنها وأجهضتها، من دون تقديم بدائل عملية لها. هذه المجموعات السياسية نفسها هي اليوم أمام اختبار تاريخي لمصداقيتها ووضوح رؤيتها وصدق انحيازها للقضية الفلسطينية.