عن فشل أميركا وفشلنا

عن فشل أميركا وفشلنا

01 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

بخروج آخر طائرة نقل عسكرية أميركية من مطار كابول، ليل أول من أمس الاثنين، تكون الولايات المتحدة قد أسدلت الستار على سلسلة حروبٍ ومغامراتٍ فاشلة في العالم العربي - الإسلامي، استغرقت 20 عاماً، وكلفَّت الكثير. خلال هذه الحقبة، تراوحت الأهداف الأميركية في ما سمّي "الشرق الأوسط الكبير" بين القضاء على "الإرهاب" ونشر الديمقراطية، عبر بناء نموذجٍ يُحتذى، إلى تأمين مصادر الطاقة، واحتواء الخصوم (روسيا والصين وإيران). وبسبب سوء الإدارة وسوء التقدير وسوء الفهم، لم تفشل واشنطن في تحقيق أيٍّ من هذه الأهداف فحسب، بل جاءت النتائج عكسيةً ومدمّرة، فطريقة خروج الولايات المتحدة من أفغانستان، وقد جرى تصويرها على نطاق واسع، بما في ذلك من الإعلام الليبرالي الأميركي، هزيمة مذلّة لأكبر قوة، ستؤدّي، على الأرجح، إلى انتعاش الفكر الجهادي وانتشاره، كما حصل بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان قبل ثلاثة عقود. أما بخصوص الديمقراطية، فالولايات المتحدة لم تفشل فقط في بناء ديمقراطيةٍ واحدةٍ في العالم العربي - الإسلامي منذ تدخلها فيه عام 2001، بل صار الوضع أسوأ مما كان عليه عندما أطلقت واشنطن حملتها (crusade) لـ"دمقرطة" العرب والمسلمين. ليس أن سياسات واشنطن في العراق وأفغانستان لم تحوّل البلدين، على الرغم من كل الأموال التي ضخّتها، إلى نموذج ألمانيا واليابان، كما وعدت! بل تركت وراءها نظم حكم تعدّ، بحسب تقارير دولية مختلفة، من بين الأكثر فسادًا. في أفغانستان، انهار النظام الذي صمّمته واشنطن مكافأة لحلفائها من الطاجيك والأوزبك والهزارة، الذين ساعدوها في هزيمة "طالبان" حتى قبل خروج القوات الأميركية، في حين ما زال نظام المحاصصة الطائفية الذي أنشأه بول بريمر يقاوم إرادة شباب العراق في التغيير، بفضل إيران ونفوذ مليشياتها. لم يقتصر الفشل الأميركي في العالم العربي - الإسلامي على فعل التدخل، بل جاوزه إلى فعل عدم التدخل، حين وقفت الإدارات الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة (وما زالت) تتفرّج على الحلم الديمقراطي العربي - الإسلامي يذبح، حيث تُركت الشعوب العربية - الاسلامية وحدها، لتلقى مصيرها المحتوم في مواجهة أسوأ صنوف الاستبداد، في إيران (2009)، وسورية (2011 - 2021)، ومصر (2013)، وغيرها.

إذا تركنا قضية القيم والمبادئ جانبًا، وركّزنا على المصالح التي تعيها واشنطن أكثر، نجد أن الفشل هنا لا يقل عنه هناك. إذ تردّد النخب الفكرية والسياسية الأميركية اليوم كلامًا فحواه تناقص الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج والشرق الأوسط في الحسابات الأميركية في ضوء تحول الولايات المتحدة، بفضل تقنيّة النفط الصخري، إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وهذا يحتّم على واشنطن تخفيف التزاماتها في المنطقة، والانتقال إلى التركيز على التحدّيات التي تمثلها الصين ومنطقة شرق آسيا. وبلغ الأمر بالرئيس السابق دونالد ترامب أن دعا الدول التي تشتري نفط الخليج إلى إرسال سفنها العسكرية لحمايته، فواشنطن ليست مضطرّة، كما قال، لحماية نفط يستخدم في تشغيل مصانع الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

هناك طرحٌ آخر مكمل، يزداد حضورا في واشنطن هذه الأيام، ومردّه التعب والإنهاك من فشل السياسات الأميركية في المنطقة. يرى أصحاب هذا الطرح أن العالم العربي - الإسلامي يمثل ثقب العالم الأسود، ويجب تركه وشأنه، إذ لا فائدة تُرجى من أي جهدٍ أو محاولةٍ لإصلاحه. هذه الطروحات، إذا جرى تبنّيها، ستوجّه ضربة كبرى لموقع الولايات المتحدة ومصالحها بوصفها قوة عظمى، وسوف تلقي العالم العربي - الإسلامي في أحضان الصين، وتُحبط جهود احتوائها. لقد تمكّنت الصين من تحقيق اختراقين كبيرين في العالم الإسلامي: مع باكستان التي غدت أهم حلفائها الإقليميين، ومع إيران التي وقعت معها، مطلع العام الجاري، اتفاقية تعاون استراتيجي مدتها 25 عاما، يتوقع أن تتطوّر أكثر في عهد إبراهيم رئيسي. وإذا استمر التفكير الأميركي الحالي، هناك احتمال أن تحقق الصين في المدى المتوسط اختراقاتٍ باتجاه العالم العربي وتركيا. فالمصالح الاقتصادية المتزايدة لدول الخليج مع الصين لن تلبث أن تتحوّل إلى مصالح أمنية - دفاعية، يُساعد عليها تشابه نظم الحكم وثقافته (رأسمالية - أوتوقرطية). وقد باتت لدى تركيا أيضا مصالح كبيرة مع الصين، إلى درجة تلزمها الصمت تجاه انتهاكات حقوق المسلمين الإيغور. هنا فقط تكتمل فصول الكارثة الأميركية في العالم العربي - الإسلامي، وتكتمل معها فصول فشلنا في بناء دول تحقق ذاتياً ثلاثية الأمن والرخاء وحكم القانون.