عن ضربة ترامب الوداعية

17 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

فيما كانت عمليات العد والفرز جارية على قدم وساق في ولايات أميركية متأرجحة، وكان دونالد ترامب ماضياً في إدارة معركة قضائية يائسة، لتعديل نتائج الانتخابات الرئاسية شبه المحسومة ضده، فتحت "نيويورك تايمز"، في تقرير لها، باباً واسعاً أمام سيلٍ من التوقعات والافتراضات، حول ما يدور في رأس الذئب الجريح القابع في البيت الأبيض، وخطوات قد يقدم عليها في ربع الساعة الأخير من زمن ولايته اليتيمة. وذلك حين نقلت الصحيفة الأميركية الأولى عن شخصيات كبيرة في وزارة الدفاع (البنتاغون) قولهم إن لديهم مخاوف إزاء نية ترامب القيام بعملية دراماتيكية أخيرة ضد إيران أو فنزويلا، عدا عن انسحاب سريع من أفغانستان والعراق.
كانت إقالة وزير الدفاع الأميركي، مارك أسبر، المعروف برفضه بعض قرارات ترامب المثيرة للجدل، مثل استخدام الجيش ضد المتظاهرين، بمثابة حجر الزاوية الذي استند إليه التقرير المذكور، كما أتت بعض الاستقالات والإقالات اللاحقة لمسؤولين كبار في "البنتاغون"، وتعيين بدلاء ليست لهم كفاءة عسكرية يعتدّ بها، ولا يعرفون قول "لا" لسيدهم، لتضيف مدماكاً آخر في بنية الرواية الصحافية، وتكسبها مزيداً من الصدقية، الأمر الذي أشعل الهواجس لدى المراقبين، وأثار فضولهم حيال ما ينوي الرئيس الغاضب القيام به، قبل أن يتعامد عقربا الساعة، ظهر يوم العشرين من يناير/كانون الثاني المقبل.
وقبل أن يضيع تقرير الصحيفة الأشهر، المكروهة بشدة من ترامب، في زحمة الأخبار المتسارعة عن مجريات المعركة الانتخابية المديدة، دخل على الخط رهط من كبار المسؤولين السابقين في الإدارة الجمهورية، أولهم الجنرال مكماستر، أحد مستشاري الأمن القومي الأربعة الذين ملّهم ترامب بسرعة، وعزلهم بفظاظة، عندما قال الرجل الغائب عن الأضواء إن هناك احتمالا أن تهاجم إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية، قبل مغادرة الرئيس الأميركي الخاسر مكتبه، خلال الأسابيع العشرة المتبقية له في المكتب البيضاوي.
ما كان لهذه التكهنات عن نوايا الرجل غريب الأطوار في واشنطن، أن تلقى الاهتمام، وتنال ما تستحقه من انشغال، لو لم يدخل كبار المعلقين الإسرائيليين على النقاش، ويسهموا في تأويل ما يدور في دماغ ترامب من أفكارٍ محمومة، أساسها الرغبة في الانتقام، ودافعها تسوية الحساب المؤجل، ليس مع أعدائه في الخارج فقط، وإنما مع خصومه في الداخل، ممن لا يرى فيهم المعجب بنفسه أهلاً للحلول محله، ولا يعز عليه شيء أكثر مشاهدة غريمه جو بايدن يجلس مكانه، وذلك من خلال عملية خلطٍ كبرى لكل الأوراق، بما في ذلك تعطيل عملية نقل السلطة، وربما إرجاء مغادرة البيت الأبيض إلى أطول وقت ممكن.
تنبني هذه المطالعة، ليس على التقارير الأميركية، وإنما على ما حفلت به الصحف الإسرائيلية، من تقديرات وتحليلات، إن لم نقل إيماءات تدنو من مرتبة التسريبات، المترافقة مع الزيارة المفاجئة لمسؤول الملف الإيراني لدى واشنطن، إليوت أبرامز، إلى تل أبيب، والسابقة على زيارة ملتبسة التوقيت، يقوم بها وزير الخارجية، مايك بومبيو، هذا الأسبوع، الأمر الذي عمّق الشكوك في دوافع زيارة أبرامز التي تمت تحت عنوان مخاتل "تعزيز العقوبات على إيران"، حيث لا دور لإسرائيل فيها، كما وسّع دائرة الاشتباه بهدف زيارة بومبيو المريبة، المغطاة بجولة شرق أوسطية غامضة.
بحسب تلك التقارير، وتعليقات كتّاب مطلعين على ما يدور داخل أسوار القلعة الحصينة، تراوحت التقديرات المتعلقة بضربة ترامب الدراماتيكية الوداعية، بين الاعتراف بضم 30% من أراضي الضفة الغربية، وهو أمر لا يُحدث الدويّ المرغوب فيه من جانب الرجل المغلول في واشنطن، وبين سلسلة من الهجمات الجوية الإسرائيلية المنسقة مع القوات الأميركية، ضد جملة طويلة من الأهداف الإيرانية النوعية في سورية، وربما ضد أهداف ثقيلة الوزن لحزب الله، خصوصا وأن تل أبيب نشرت، أخيرا، خرائط مقرّات قيادية، ومخازن أسلحة، وزعمت أيضاً أنها تعرف أماكن اختباء حسن نصر الله الذي رفع وتيرة حذره.
على أن أخطر ما تحدّث عنه الإسرائيليون كان عن احتمال ضرب المراكز النووية الإيرانية، إما بعملية إسرائيلية جوية أحادية الجانب، في ظهرها القوات الأميركية، وهي عملية غير مرجّحة في الوقت بدل الضائع، أو من جانب الأرمادا الأميركية في المنطقة، على أن تعمل إسرائيل كل ما يلزم، وأن تكون مهيأة لامتصاص ردة الفعل المرتقبة، حيث يدّعي هؤلاء المحللون أن الأمر بات مرتبطاً فقط بالمتغيرات المناخية المتقلبة في فصل الخريف هذا.