عن حوارات المصريين في "كلوب هاوس"

21 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

اشتركت أول الأسبوع الماضي في تطبيق "كلوب هاوس" (Clubhouse) الذي انتشر بشكل كبير منذ بداية العام الجاري (2021). وهو تطبيق يقوم، بالأساس، على المشاركات الصوتية للمشتركين فيه، وذلك على عكس بقية التطبيقات ومنصات "السوشيال ميديا"، كـ"فيسبوك" و"تويتر" التي تعتمد على الكتابة (الشات) بالأساس. وهو كأي تطبيق، بل كأي شيء في حياتنا، له مزاياه وعيوبه. لكن إحدى المزايا الكبيرة التي اكتشفتها، أنه يتيح المجال لجميع المشتركين به للحديث الحرّ والنقاش المفتوح بشأن كل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية والتعليمية والإعلامية... إلخ. ويمكن أيَّ مشترك طرح النقاش في أي موضوع ساخر أو غير مهم على الإطلاق. هو بالأحرى مساحة للترويح عن النفس بالكلام.

أغلب المتحاورين في غرف "الكلوب هاوس" ينتمون إلى فئة الشباب، وخصوصاً في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم، وكثيرون منهم شاركوا في ثورة يناير

ما يهمني التعليق عليه هنا، البعد المتعلق بالحوارات والنقاشات السياسية التي تُطرَح على تطبيق أو منصّة "كلوب هاوس"، والتي تكشف عن تعطش مجتمعاتنا العربية لمساحات حرّة ومفتوحة للحوار من دون خوف أو قيد أو رقيب. على مدار الأيام الماضية، استمعت واشتركت في نقاشات وحوارات تخصّ الأوضاع في مصر. ومن بين أمور كثيرة لفتت نظري طبيعة المشاركين في هذه النقاشات، ومستوى الحوار بينهم، وطبيعة القضايا التي يناقشونها. فأغلب المتحاورين في غرف "الكلوب هاوس" ينتمون إلى فئة الشباب، وخصوصاً في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم، وكثيرون منهم شاركوا في ثورة يناير في عام 2011، يعيش بعضهم في مصر، وآخرون في الخارج. وعدد كبير منهم ينتمي إلى الطبقة الوسطى، أو الشريحة العليا منها. أما مستوى الحوار، فالملاحظة العامة هي الاحترام المتبادل بين المتحاورين، على الرغم من الاختلافات الفكرية والأيديولوجية والسياسية بينهم. وهي ظاهرة صحية، نفتقدها في نقاشاتنا، خصوصاً في الإعلام وأمام الجمهور الذي يدفع بعض المتحاورين، أحياناً، إلى المزايدات على بعضهم الآخر، من أجل إرضاء الجمهور الذي تحوّل إلى لاعب مهم ومؤثر في المعادلة الإعلامية والسياسية.

كذلك من الواضح ارتفاع مستوى الوعي في هذه الحوارات، على الرغم من حالة الانغلاق السياسي الذي تعيشه مصر تحت وطأة الاستبداد منذ سبعة أعوام. وعلى الرغم من وجود خلافات وانقسامات سياسية وأيديولوجية بين المتحدثين، إلا أن ذلك كان يجري في إطارٍ رفيعٍ من الاحترام المتبادل، من دون الخروج عن قواعد اللياقة والتهذيب في الحديث. بل إن هناك تفهماً من المتحاورين لهذه المسألة، وإصراراً على عدم التجاوز، على الرغم من الخلافات الفكرية والأيديولوجية. وهذا يمثل نقلة نوعية في الوعي والعقل الجمعي المصري.

ارتفاع مستوى الوعي في الحوارات، على الرغم من حالة الانغلاق السياسي الذي تعيشه مصر

أما طبيعة القضايا، فتختلف حسب اهتمامات المتحاورين، فقد كانت هناك نقاشات بشأن المراجعات الفردية والجماعية، والتغيرات الفكرية التي حدثت للأفراد خلال العقد الماضي، وتحديداً منذ ثورة يناير. كذلك حضرت نقاشات بشأن القضايا الاستراتيجية، مثل مسألة سد النهضة وكيفية تعاطي مصر معها. وكذلك مذكرات الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، حيث نظم الصديق علاء بيومي حلقة نقاشية في الموضوع اتسمت بالعمق والجدّية. كذلك نظمتُ حلقة نقاشية عن تصورات المصريين لما حدث في الثالث من يوليو/ تموز 2013، لمعرفة مدى التغيّر، أو عدمه، في الوعي السياسي للشباب. وقد استمرت الحلقة أكثر من خمس ساعات، وشارك فيها عشرات من المتحدثين الذين أثاروا قضايا مهمة وحيوية عديدة. أيضاً شاركت في حلقة نقاشية حول اليسار المصري ومشكلاته ومراجعاته، وفي حلقة أخرى عن نظرة المثقفين العرب إلى الأزمة اليمنية.

اللافت في الأمر، مشاركة والدخول في حوار مع أنصار للسلطوية والديكتاتورية في مصر، حيث يشارك داعمون للنظام الحالي في هذه النقاشات والحوارات. وعلى الرغم من إٍقصائيتهم وتطرّفهم السلطوي، إلا أن من المفيد الاستماع إليهم لمعرفة طريقة تفكيرهم وتقييمهم الأوضاع، ومعرفة توجهات السلطة الحالية، من خلال آراء مؤيديها. يحدث هذا كله على منصّة واحدة، تبدو أقرب إلى سوق مفتوح للأفكار، تتنقل بينها بأريحية تستمع، وتناقش، وتحاور، وتختلف، وتتفق، وتعارض. وهي مساحةٌ ليست موجودة في الواقع بسبب القيود السياسية وقمع الآراء الذي تعيشه مصر، وغيرها، من البلدان العربية.

ربما من المبكر الحكم على مدى نجاح تطبيق "كلوب هاوس" في تغيير الأوضاع في مصر، والمنطقة العربية، إلا أنه يمثل نافذة حيوية للنقاش والحوار الذي من شأنه تغيير الأفكار والانطباعات، وربما تغيير الأنظمة والمجتمعات نحو الحرية والديمقراطية.