عن جمهوريات ممالك التحاصص والتخصيص

عن جمهوريات ممالك التحاصص والتخصيص

09 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

لا أدري إن كان من حسن الطالع أم من سوئه، أن نعيش لنشهد اليوم مزيدا من تراكمات تلك التحولات المتحوًرة، في تأشيرٍ فاضحٍ إلى زمن تحوَل الجمهوريات إلى ممالك أسقطت السلطة الحاكمة فيها معظم بُنى الدولة، وأفقدتها مبرّرات وجودها، محوَلة إياها إلى ملكياتٍ خاصةٍ بكل فئة وحزب وأسر وعوائل، ممن أرادوا الدخول إلى نادي السلطة، كي يقيموا فيدرالياتهم الخاصة؛ السياسية والاقتصادية، وبعضها العسكرية والأمنية، وذلك كله على حساب الدولة وعلى الضد منها، ناهيك عن السلطة ذات الطابع العسكري التي ذهبت حتى الأقاصي في مصادرة مؤسسات الدولة المركزية، موظفةً إياها لمصالح خاصة وشخصية وزبائنية، محلية وإقليمية ودولية؛ على ما هو حال أنظمة الانقلابات العسكرية، الحاكمة اليوم بفعل طغيانها وطغيان مصالح معادية، فعلت الأعاجيب بغرض الإتيان ودعم شخصيات لا تملك من كاريزما القائد أو القيادة إلا أقل القليل، لولا الدعم الخارجي الذي جاء بها على الضد من إرادة الشعب وانتفاضاته الثورية التي أجهضت وصودرت تضحيات أبنائها وبناتها لمصالح أمنية خارجية، وفي القلب منها الحفاظ على أمن العدو الإسرائيلي وكيانه الغاصب.
لقد أسقطت الدولة عمدا، لأن هناك سلطاتٍ أرادت أن تعلو فوق الدولة، ولأن هناك سلطويين أرادوا العلو والغلو في هيمنتهم عليها، والاستحواذ على مقدّراتها ونهب المال العام، وحماية ذواتهم من أي محاسبةٍ جرّاء ارتكاباتهم وفسادهم وإفسادهم كل مجالات الحياة، طالما لم تجد بلادنا طريقها إلى تعزيز ثقافة المواطنة الحقيقية، أو استنباط قوانين دستورية عادلة لا تستثني أحدا من قانون الثواب والعقاب، والأهم الحساب لدى قضاة عدل يحترمون مهنتهم، ولا يفرّطون بأيٍ من موجباتها، وما يترتب عليها من أحكام؛ وذلك كي لا تتحوّل مؤسسات الدولة إلى ديكوراتٍ بمسمياتٍ مفرغة من أي مضمون، كما حالنا اليوم في جمهورياتٍ تحكمها طغم عسكرية، وأوليغارشيات مالية، وأخرى يحكمها ملكيون بعائلاتهم وأسرهم والمحظيين المقرّبين منهم، وأخرى وأخرى، حوَلوا السلطة مهنةً لهم ذات ملكية خاصة بهم.

عرف أهل السلطة أو معظمهم أنهم لم يعودوا على أبواب جهنم الخراب والتخريب، بل دخلوها غير آمنين أو مستأمنين على أيٍّ من مسؤولياتهم المفترضة تجاه الدولة وشعبها

لذا ليس مصادفة أن يطفو على سطح السلطة من أراد ويريد أن يكون له مآرب خاصة شخصية وعائلية، فئوية وحزبية؛ مآرب لا تقارب حق الدولة أو حقوق الناس، فتلك الحقوق مضيّعة ومعتدى عليها، ومنهوبة لصالح تلك المآرب، مع أنها في الدستور والقوانين مصونة شفهيا ونظريا. ويتحفنا كثيرون من أهل السلطة بمحاضراتهم ومطالعاتهم عن العفّة والفضيلة، والأخلاقيات والوعود الانتخابية التي ينفضّ سامرها بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، حاسرة عن دجل سياسي رفيع، يشارك فيه كل أهل السلطة عبر محاصصاتهم وأخلاقياتهم الزبائنية وشراكاتهم القديمة والجديدة، وتلك المستجدّة بفعل المصالح الخاصة التي غلَبت وتغلَب على الدوام، نهب المال العام، والتغطية على سلوكيات ومسلكيات الحرام.
ولهذا، يعرف أهل السلطة أو معظمهم أنهم لم يعودوا على أبواب جهنم الخراب والتخريب، بل دخلوها غير آمنين أو مستأمنين على أيٍّ من مسؤولياتهم المفترضة تجاه الدولة وشعبها، والمصالح العامة التي لم يعد من عموميتها سوى الاسم والشكل، فقد أضحى التخصيص سيد التحاصص، وتبادل المنافع الزبائنية هي السنام الأعلى للزعامات الطوائفية. وقد ذهب بعض أهل السلطة إلى مزيدٍ من الارتكابات والخطايا بتعطيلهم مسار الدولة ومسيرتها، ومثل نيرون جلسوا على التلة يرقبون وطنهم يحترق بنيران البطالة والعطالة السياسية والقانونية. وأكثر من ذلك، وبكل وقاحة، الفئويات العنصرية، يختصرون الكون عبر المطالبة بحقوق طوائفهم، متجاهلين بالكامل الحقوق الوطنية للدولة والشعب، على اختلاف انتماءات الناس ومشاربهم، كونهم مواطنين في دولة مدنية عليها أن تراعي كامل حقوق المواطنة وواجباتهم الميثاقية والدستورية تجاهها.

في الوضع الطبيعي لبلاد ذات تقاليد وقوانين عادلة وديمقراطية، عادة ما يجري التعويل على ثقافة المواطنة، ووعي المواطن ومعرفته التامة بحقوقه وواجباته

عن أي دولةٍ نتحدث؟ ودول عديدة تماهت السلطات فيها مع الدولة، وهيمنت عليها، وأضحت ملكيتها الخاصة، وانتهبت فيها الملكيات العامة، وتحولت أو جيًرت لصالح مصالح "العقود الاجتماعية والسياسية" الجديدة غير المعلنة التي آلت إليها الدولة وأحوالها في بلادنا.
وعن أي انتخاباتٍ "ديمقراطية" يمكننا الحديث، في وقتٍ جرى ويجري فيه تسوية العملية الانتخابية برمتها، بدءا من قوانين الانتخاب، وصولا إلى الإعلان عن نتائجها، وقد بات واضحا أن الساعين إلى الانتخابات، إما أن يضمنوا إعادة "تفويزهم" ولو بالتزوير أو التلاعب بالأرقام المعلنة، أو أنها لن تجرى من الأساس. لا أتحدّث هنا عن انتخاباتٍ فلسطينية أو لبنانية أو سورية أو مصرية وغيرها، على امتداد أقطار بلادنا العربية؛ فلئن يكن لكل بلد خصوصيته، إلا أن ما يجري في العموم يتشابه كثيرا، لجهة من يُشرف على الانتخابات من قوى محلية ليست محايدة، بل تملك من المصالح والغايات والمآرب الخاصة ما يجعلها شريكة السلطة الفعلية والسلطة العميقة، في جعل النتائج تلامس وتداعب أحلام (ومصالح) القوة الغالبة والمهيمنة على مؤسسات الدولة، المدعومة في الغالب الأعم من قوى إقليمية أو دولية، تتقاطع مصالحها مع مصالح كيان الاحتلال الاستيطاني في فلسطين.
على الرغم من ذلك كله، وفي الوضع الطبيعي لبلاد ذات تقاليد وقوانين عادلة وديمقراطية، عادة ما يجري التعويل على ثقافة المواطنة، ووعي المواطن ومعرفته التامة بحقوقه وواجباته، وضرورة محاسبة ممثليه في مؤسسات الدولة. وفي المقابل، يجري تعويل أهل السلطة في بلادنا على الضد من ذلك تماما، حيث الطوائفيون والمتمذهبون بمذهب "نحن السلطة والسلطة لنا عنزة ولو طارت" يعوّلون على جهل جمهور أنهكته العصبويات والتحزبات والفئويات الفصائلية، حتى بات جاهزا لوضع أوراقه وتسليمها ومنحها لتكتل الزعيم، يتصرّف بها لصالح مشيئته ومصالحه الخاصة، ووضع صوته في صناديق الانحياز الأعمي للعصب الطائفي أو الفئوي، وهذا ما لا يمكن اعتباره انتخابا أو اختيارا حرّا، بقدر ما هي العبودية بعينها.

هناك من يكافح وينافح عن نظام فيدرالي ينبغي أن يسود، بينما هو في الواقع سائد بقوة المليشيات والدويلات خارج الدولة

يجري هذا كله في غياب دولة مواطنة بمعايير متقدّمة وحضارية، تعرّضت وتتعرّض على الدوام للتعويق والإفشال، ولانتهاك دستورها وقوانينها الناظمة، فلا الانتخابات فيها ديمقراطية؛ تجعل من الحق بالانتخاب حقا مقدسا، ولا الديمقراطية فيها حقيقية أو جدّية، لجهة ممارستها وما يترتب عليها، فقد وأدت أنظمة الاستبداد الفردية والحزبية والعائلية والعسكرية والأمنية، كل إمكانات إقامة خياراتٍ فعلية لانتخابات حرّة ونزيهة، وصادرت ديمقراطية الانتخاب، وهي تفرض، بدلا من ذلك، معايير عرفية تتحكّم فيها وتشرف على تنفيذها أجهزة قمع أمنية واستخبارية وعسكرية، تتعدّد مؤسساتها الموازية لمؤسسات الدولة المعروفة بالسلطات الثلاث: الرئاسية والتشريعية والتنفيذية، حتى بات لكل منها أدواته المليشياوية الموازية للمؤسسات الأمنية والعسكرية، وهي كلها تنتظم في منظومة سلطةٍ مافياوية، تتفق في مجموعها على نهب الدولة، ومصادرة الأملاك العامة وخصخصتها لصالح هذا أو ذاك من رموز دولة منهوبة ومنكوبة، أنهكت بفعل رموز وزعامات طائفية وفئوية مليشياوية الطابع، كل منها تمتلك تنظيمها المليشياوي الخاص، مضافا إليه تنظيم مليشيا الاستزعام والاستزلام المفروض على الدولة، وبتمويلٍ منها.
على الرغم من ذلك هناك من يكافح وينافح عن نظام فيدرالي ينبغي أن يسود، بينما هو في الواقع سائد بقوة المليشيات والدويلات خارج الدولة، كما وبقوة ترسيخ نظام مصفّح، كرّسته ممالك التحاصص والتخصيص في جمهورياتٍ لم تعد كذلك.