عن تسييس الفن .. ودوائر الانتقام

18 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

(1)

كثيرا ما نشاهد أعمالاً فنية أميركية، وأوروبية، ذات إنتاج ضخم، عن بطولات جنود في الحروب، أو أفلاماً عن الشرطي الخارق الذي يستطيع قتال العصابة بمفرده، أو ذلك الذي يضحّي بحياته من أجل مكافحة الجريمة وإقرار العدل، حتى لو قاتل العالم كله. انجذبنا جميعا لأفلام بروس ويليس، وميل غيبسون، وستيفن سيغال، وغيرهم ممن مثّلوا دور الشرطي الخارق الذي يطارد الجريمة، تعاطفنا معهم وتغاضينا عن المبالغات والخدع السنيمائية والسيارات التي تطير وتحط لتنفجر ويخرج منها البطل سليما غير مصابٍ بأية خدوش.

في السنوات الأخيرة، أصبحت هناك جهة واحدة مشرفة على الإنتاج السينمائي والدرامي، لا يتم إنتاج فيلم سينمائي، أو مسلسل درامي تراجيدي، أو كوميدي، إلا بعد المرور على الرقيب، في وضعٍ يشبه ما كان في الخمسينيات والستينيات. والمحظورات الآن أكثر قليلا، والتعليمات معروفة للجميع. تحدّثوا عن الإيجابيات. لا دخول في السياسة ولا الموضوعات الخلافية، محظور ظهور ضابط شرطة فاسد أو يمارس التعذيب، مسموح فقط بإبراز تضحيات الشرطة والجيش وإبراز مجهوداتهم وبطولاتهم.

محظور في الأعمال الفنية ظهور ضابط شرطة فاسد أو يمارس التعذيب، مسموح فقط بإبراز تضحيات الشرطة والجيش وإبراز مجهوداتهم وبطولاتهم

بالتأكيد، هناك قصص بطولية تستحق التوثيق، فحرب أكتوبر العظيمة مليئة بالبطولات الأسطورية التي لم توثق بعد، ولم تخرج في عمل فني لائق، ذلك النصر على إسرائيل، وعبور قناة السويس، على الرغم من قلة الإمكانات وقتها، معجزة بكل المقاييس. في حربي الاستنزاف و1973 مئات الملاحم البطولية الحقيقية التي يمكن صنع أفلام عظيمة منها، تكون أكثر صدقا وواقعية من أفلام أميركية نالت جوائز الأوسكار، فيما هي تصنع انتصارات وبطولات وهمية، في حرب فيتنام مثلا.

بالتأكيد، هناك نماذج كثيرة من ضباط شرطة شرفاء، ويطبقون القانون بمنتهى الحيادية والشرف. قابلت عديدين منهم في السجون وأقسام الشرطة التي قضيت فيها عدة سنوات، ومنهم فعلا من يضحي بحياته من أجل منع الجريمة ومحاربة الشر، شاهدت بعيني تلك النماذج، وإن كانت ليست هي الأغلب.

عندما تتراكم المظالم، وينغمس الجميع تصبح العودة والتراجع والمراجعات أكثر صعوبة من ذي قبل

ولكن ذلك التوظيف السياسي لتلك النماذج يزيد من الحاجز ويزيد الهوة ويفاقم المشكلة، لا يختلف هذا التوظيف لقصص بطولية عن التوظيف السياسي للدين أو محاولة احتكاره، فإبراز تلك القصص والنماذج الإيجابية هدفه التخديم والتلميع لمؤسسة السلطة وأذرعها الأمنية فقط، كأن هناك من يقول نحن فقط من نضحّي، ونحن فقط نملك تلك الانتصارات، ولذلك نحن فقط من يستحق أن يكون في الحكم.

ولذلك يكون هناك جدل كثير بشأن تلك الأعمال السينمائية، والتليفزيونية، فهي دائما تحمل رسائل السلطة، وتعمل على توجيه الأحداث الحقيقية أو التخيلية في اتجاه واحد فقط، لتمجيد السلطة وأجهزتها التنفيذية. ولذلك كثيرا ما يكون هناك صعوبة في التفاعل أو التعايش مع القصة، بسبب عدم حياديتها، كما أن هناك قطاعاً ضخماً من المشاهدين ممن عايشوا بأنفسهم قصصاً، وتفاصيل مرعبة، عكس الروايات والقصص الملائكية التي يصدرها الإعلام والأعمال الفنية. هناك عشرات آلاف العائلات التي لديها آباء أو أبناء في السجون، أو صديق تعرض لانتهاكات ومعاملة غير آدمية، فكيف يكون تصديقه أو تعاطفه أو تفاعله مع روايات وأعمال فنيه تصدر صورة عكس ما عايشه؟

من يمكن تصنيفهم معارضي السلطة هم أكثر تشرذماً واختلافاً من أي وقت مضى، إذ لا توجد رؤية موحدة ولا أرضية مشتركة

كثيرون كانوا يتمنون أن تكون لديهم مشاعر الفرحة والفخر نفسها عند مشاهدة تلك الأعمال، أن يصفقوا فرحين عند انتصار البطل، في النهاية، على الشر وأعداء الوطن، يحلمون بيوم تكون تلك الأجهزة والمؤسسات عن تلك الأعمال الفنية جهاتٍ محايدة، وليست في خصومة مباشرة معهم، أو ألا تكون تلك الجهات والمؤسسات مسؤولة بالأساس عن إنتاج الأفلام والمسلسلات، فهذا ليس من اختصاصها وعملها بالأساس.

(2)

في الأسابيع القليلة الماضية، تم في مصر تجديد حبس عديد من القياديين الشباب المحسوبين على ثورة يناير، بعد حبسهم عامين متتاليين، وهناك عدد آخر أنهوا فترة الحبس الاحتياطي المحدّدة بعامين، ليتم زجهم في قضايا جديدة لا يعلمون عنها شيئاً. وفي تلك الحالات، هناك من يحاول استنتاج سبب لذلك التنكيل، أحيانا يكون هناك سبب، وأحيانا تكون مجرد استنتاجات وتأويلات. ويتناقل بعضهم همسات أو تسريبات هنا وهناك حول أسباب الحبس أو استمرار الحبس أو تجديد الحبس لبعض الشخصيات، لكن كيف يتم الاستعانة بالعقلانية، لتفسير أفعال غير عقلانية؟ لماذا لا تتوقف عجلة الانتقام، ألم تكتف السلطات في مصر بكل ما فعلته كل تلك السنوات السابقة ضد كل من كان له دور في ثورة يناير؟ وإذا كانت السلطة تعتقد في انتصارها الساحق على كل أنواع التهديدات الممكنة، وإذا كانوا واثقين من بقائهم في السلطة إلى ما لا نهاية، فلماذا هذا الانتقام والتنكيل بين كل حين وآخر؟ وكيف يكون الحل وقد أضحت كل الوسائل السياسية مغلقة، وكل الانتخابات محسومة، والبراح يضيق كل يوم أكثر من ذي قبل، ولا يبدو أن هناك عقلاء أو حمائم أو تياراً إصلاحياً بداخل السلطة لمحاولة تقليل الاحتقان أو تقليل الجبهات؟ بل إن التيار السائد هو الذي يرى الحل لجميع المشكلات في مزيدٍ من القمع والسجن والتنكيل وإسكات الأصوات، وعندما تتراكم المظالم، وينغمس الجميع تصبح العودة والتراجع والمراجعات أكثر صعوبة من ذي قبل.

تم أخيراً في مصر تجديد حبس عديد من القياديين الشباب المحسوبين على ثورة يناير، بعد حبسهم عامين متتاليين

بعض الأصوات على الإنترنت، أو ممن يمكن وصفهم مجموعات معارضة في الخارج، يَرَوْن أنه لا خلاص إلا بثورةٍ شعبيةٍ لا تبقي ولا تذر، وهذا هو السبب الذي جعل بعضهم يؤيد أي دعوات عشوائية إلى التظاهر، وهي دعواتٌ تزيد السلطة شراسة، وتزيد المعتقلين عدداً. وعلى الرغم من تحفظ كثيرين داخل مصر على تلك الدعوات العشوائية التي تزيد الفشل والمعاناة، إلا أنه يتبقى دائما السؤال .. وأين الخلاص؟ وكيف يخرج الرفاق والأحباب من السجون في ظل عدم وجود أي بارقة أمل في أي انفراجةٍ في المستقبل القريب.

ولكن هل تلك المحاولات العشوائية وتلك الدعوات العنترية قد تؤدي إلى حل؟ صراحة لا أرى فيها إلا دعوات استهلاكية ومحاولات بائسة لا تقود إلا إلى مزيد من المعتقلين كل عام، يغلب عليها طابع المراهقة للأسف، ومحاولات استنساخ وتوليد أي ثورة من اللاشيء، دعوات ليس لها جذور حقيقية وحركات اجتماعية تتلقفها في ظل ذلك التجريف الرهيب للمجتمع، وأي محاولة للتجمع والتنظيم. وبالتالي، ستكون كل الطرق التقليدية والأساليب القديمة والمكرّرة كالحرث في البحر.

ولأن كل الطرق مسدودة، ولأن من يمكن تصنيفهم معارضي السلطة هم أكثر تشرذما واختلافا من أي وقت مضى، إذ لا توجد رؤية موحدة ولا أرضية مشتركة. وفي ظل تلك الظروف الإقليمية والدولية، فلا يجب انتظار حل تقليدي، أو حل من الأطراف نفسها، أو حل في الوقت القريب.