عن تراجع خطير لحرية التعبير في فلسطين

عن تراجع خطير لحرية التعبير في فلسطين

02 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

تتراجع، بصورة خطيرة، حرية التعبير في فلسطين المحتلة عام 1967، الأمر الذي يؤدّي إلى مضاعفة عبء النضال الفلسطيني، فبدلاً من النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، أصبح دعاة الحرية يناضلون على جبهتين، واحدة عدو وأخرى من المفترض أن تكون صديقة، بل مساندة وداعمة لحرية التعبير.
لم يحدُث تراجع الحريات في فلسطين فجأة، بل تدرّج في السنوات الأخيرة، بدأ بسجن من كتب تعليقاً ضد الرئيس محمود عباس على موقع "فيسبوك" ثم سجن معبّرين عن رأيٍ مخالفٍ لتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية، وتطوّر ليشمل استدعاء معارضين، وإطلاق مسؤولين أمنيين تهديدات بإيذاء معارضين سياسيين، ورفض القيادة طلباتٍ متعدّدة لشجب تلك التصريحات. واستمر في الاعتداء العنيف على متظاهرين يرفضون عنف اعتقال المعارض نزار بنات. وتمت إقالة مدير عام المكتبة الوطنية الفلسطينية، وزير الثقافة السابق، إيهاب بسيسو، لانتقاده الهادئ ما يحدث، وذلك بقرار من مكتب الرئيس عباس في 27 يونيو/ حزيران الماضي، أي قبل شهر من إصدار قرار حكومة محمد اشتية، بخصوص موظفي القطاع العام في يوليو/ تموز الماضي.
وتنص المادة 22 من مدوّنة السلوك أنّ للموظف العمومي "الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير عن الرأي، على أن يوضح عند إبداء رأيه سواء بالنشر أو التعليق على مواقع التواصل الاجتماعي أنّ هذا يمثل رأيه الشخصي فقط، ولا يمثل أيّ جهة حكومية يعمل فيها". ويعارض قرار رئيس الوزراء، محمد اشتية، إلغاء المادة 22 من مدوّنة سلوك الموظفين العاملين في دوائر الحكومة، بنداً دستورياً، لا يمكن تعديله إلا بقرار تشريعي أو مرسوم رئاسي.

من المعروف أنّ أيّ تعديل في القانون يتطلب موافقة ممثلي الشعب في المجلس التشريعي، المعطل منذ أكثر من عشر سنوات

الغريب أنّ مدونة السلوك نفسها منعت أيّاً من أفراد الشرطة والأمن الذين تُناط بهم مهمة إنفاذ القانون من الإدلاء بأيّ رأي سياسي، في حين أنّنا نسمع، في الفترة الأخيرة، بصورة متزايدة، تصريحات وأقوالاً ذات طابع سياسي، وحتى فصائلي، من مسؤولين أمنيين. وذلك فيما يحرّم القانون الأساسي، والذي يعتبر بمثابة دستور، في مادته التاسعة عشرة المساس بحرية التعبير: "لا مساس بحرية الرأي، ولكلّ إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون". وقد تكون الجملة الأخيرة مخرجاً لتحديد الضمان، لكن، من المعروف أنّ أيّ تعديل في القانون يتطلب موافقة ممثلي الشعب في المجلس التشريعي، المعطل منذ أكثر من عشر سنوات، وكان من المفترض أن يكون منعقداً لو تمت الانتخابات، كما كان مقرّراً لها بمرسوم رئاسي، في 22 مايو/ أيار الماضي.
المزعج أنّ هذه التقييدات تأتي في ذروة المقاومة الشعبية في مناطق عديدة، مثل الشيخ جرّاح وسلوان وبيتا وبيت أمر وغيرها، والتي يشمل القمع الإسرائيلي في غضونها الصحافيين والصحافيات، كما تحاول إسرائيل، بصورة مستمرة، الضغط على شبكات التواصل العملاقة لمنع نشر المواقف ومقاطع الفيديو الفلسطينية. فهل على الصحافي والناشط الفلسطيني العمل على جبهتين؟ وهل يعتقد المسؤولون الفلسطينيون أنّ تلك الأعمال المناهضة للقانون الأساسي ومبادئ الحرية التي يسعى الشعب الفلسطيني لها ستزيد من شعبيتهم أو تحدّ بعضهم من انتقاد السلطة المتمركزة في المقاطعة؟

يعتقد رئيس الوزراء أنّه بمجرّد القول إنّ حكومته لا تقيد الحريات العامة، فإنّ الكلّ يقتنع بكلامه

لقد بات واضحاً أنّ المعارضين، حتى مؤيدين عديدين، يلجأون إلى نقل أفكارهم، بصورة خفية، إلى الإعلام الإسرائيلي، لتجاوز كلّ هذه القيود غير الديمقراطية. طبعاً، فإنّ الإعلام الإسرائيلي ينشر أحياناً ويرفض في أحيان أخرى، وفي غالبية الأحيان، يقوم بتشويه تلك المعلومات والمواقف، لمصلحة أهدافه السياسية.
يعتقد رئيس الوزراء أنّه بمجرّد القول إنّ حكومته لا تقيد الحريات العامة، فإنّ الكلّ يقتنع بكلامه. وعلى الرغم من كلّ ما جرى في الأسابيع والأشهر الماضية، يتم استغباء المواطن الفلسطيني، إذ قال اشتية في اجتماع لمجلس الوزراء يوم 29 الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، إنّ الهدف من إلغاء المادة 22 من مدونة السلوك هو إزالة أيّ تعارض أو تقييد للحريات العامة. وقال بيان حكومي، نُشر في صفحة الحكومة الفلسطينية، على "فيسبوك" إنّ "كلّ ما يشاع حول تقييد حرية التعبير مجاف للحقيقة" وشدّد على "التزام الحكومة بضمان حرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب القانون الأساسي والمواثيق والمعاهدات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين والقوانين والتشريعات الوطنية السارية".
قد ينجح السياسيون أحياناً في إقناع الإعلام والجمهور ببعض الأمور، لكن كما يقول المثل العربي (مستقى من حديث نبوي): "لا يُلدغ المرء من الجحر مرّتين".