عن تداعيات "الزمن الإسرائيلي" في الإمارات

27 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

مشهد تطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين وبين إسرائيل يأخذ في لبنان أبعاداً متعدّدة الدلالات، ويطرح تساؤلاتٍ ومخاوف كثيرة. في طليعة التساؤلات: ما تأثير اتفاقيتي البلدين مع دولة الاحتلال على مصير اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، سيما وأنهما لم تأتيا، لا من قريب ولا من بعيد، على ذكر حق العودة، ولم تتطرّقا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية؟ وماذا يعني اتفاق سلام بين دولة مثل الإمارات أو البحرين لم تخوضا يوماً حرباً ضد إسرائيل، وليس بينهما نزاعات على ترسيم الحدود؟ وماذا سيكون موقف الإمارات، إذا هاجمت إسرائيل حزب الله في لبنان، أو شنت عملية عسكرية على قطاع غزة؟ وأي ضمانةٍ حصل عليها الإماراتيون من إسرائيل بأن فكرة الضم الإسرائيلي لأراض في الضفة الغربية لن تُطرح على جدول الأعمال لاحقا (بحسب مصادر إسرائيلية فترة التجميد لن تتعدّى الأربع سنوات)، بينما تشهد أراضي المنطقة ج في الضفة الغربية يومياً أعمال ضم زاحف من خلال إقدام إسرائيل على هدم منازل الفلسطينيين، بحجة أنها غير شرعية أو منعهم من البناء عليها؟

علاوة على التداعيات السياسية الخطيرة لهذا الاتفاق على مستقبل القضية الفلسطينية، ومشكلة إنهاء الاحتلال، فإن اتفاق التطبيع الذي وقعه الإماراتيون مع إسرائيل يختلف عن غيره بأنه شرّع أبواب الإمارات على مصراعيها أمام التعامل مع إسرائيل، في شتى المجالات الاقتصادية والتجارية والصحية وغيرها، ما سيكون له نتائج عميقة ومؤثرة على المشهد العام في الإمارات على المدى البعيد. وعلى الرغم من المواقف الرافضة للتطبيع في الإمارات والبحرين، يمكن الافتراض أن البلدين دخلا في ما يمكن تسميته "الزمن الإسرائيلي". ومن المنتظر أن يكون لهذا تداعيات أكبر بكثير مما يتخيله بعضهم ليس فقط على حياة الإماراتيين، بل على حياة الجاليات العربية التي تعيش في الإمارات، سيما الجاليتين الفلسطينية واللبنانية. 

عاد أخيرا لبنانيون كثيرون إلى لبنان من الإمارات، نتيجة تشدّدها في منح تأشيرات عمل إلى اللبنانيين

شكلت الإمارات، منذ انفجار الحرب الأهلية في لبنان في 1975، الوجهة التي قصدها اللبنانيون هرباً من أتون الاقتتال، وعدم الاستقرار السياسي. والهجرة من لبنان إلى الإمارات كانت هجرة عائلات وأفراد وشركات لبنانية نقلت نشاطها التجاري من بيروت إلى هناك، وعرفت ازدهاراً كبيراً طوال سنوات. وبحسب التقديرات، يعيش منذ ذلك الحين في الإمارات قرابة 150 ألف لبناني. وفي الأعوام الماضية، اضطر لبنانيون يعملون في الإمارات إلى دفع ثمن الصراع الدائر بين إيران ودول الخليج، وثمن تدخل حزب الله في الحرب الأهلية في سورية والحرب التي ما تزال دائرة في اليمن. وعاد عدد كبير منهم إلى لبنان، نتيجة تشدّد الإمارات في منح تأشيرات عمل إلى اللبنانيين، ما قلص حجم التحويلات المالية التي كان يقوم بها هؤلاء إلى عائلاتهم في لبنان. ترافق هذا كله مع بداية الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان، ما فاقم كثيراً في تردّي الأوضاع المعيشية لآلاف العائلات اللبنانية. الانفتاح الإماراتي الاقتصادي والتجاري على إسرائيل يزيد المخاوف في لبنان من الانعكاسات السلبية له.

هل ستصبح تل أبيب ومدن أخرى مصدر جذب للسياح الإماراتيين؟

نقرأ في الصحافة الإسرائيلية عن رغبة كبيرة لدى مسؤولي الإمارات وإسرائيل في تشجيع السياحة بين البلدين. ونتساءل: هل ستصبح تل أبيب ومدن أخرى مصدر جذب للسياح الإماراتيين؟ كما نقرأ عن مشاريع للتعاون مع المستشفيات والأطباء في إسرائيل، فهل معنى ذلك أن الإماراتيين من الآن سيذهبون إلى إسرائيل للسياحة والعلاج، بدلاً من لبنان أو مصر أو غيرهما من الدول العربية؟

نقراً أيضاً عن توجه شركات إماراتيه كبيرة إلى شراء أحواض سفن في ميناء حيفا، وما ينطوي عليه هذا من احتمالات تطوير هائلة لهذا المرفأ الذي سيصبح مركزاً أساسياً للتجارة البحرية. والأكيد أن هذا سيكون على حساب مرفأ بيروت المدمّر حالياً، ما يفاقم في الشكوك وفي نظرية المؤامرة بأن انفجار مرفأ بيروت جزء من مؤامرة أكبر للقضاء على دور هذا المرفأ مرة واحدة وإلى الأبد. 

ينطوي الإنفتاح التجاري والاقتصادي والسياحي الإماراتي على إسرائيل الذي سيحدُث على مخاطر بعيدة المدى، اقتصادية وتجارية، لا تقل شأناً عن المخاطر السياسية والأمنية الناجمة عن اتفاق التطبيع بين البلدين. مع ذلك، يجب الاعتراف بأن خطورة تداعيات ما حدث على اللبنانيين لا تُقارن بخطورة تداعياتها على حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ومستقبلهم.