عن تحوّلات المشهد الكُروي في مونديال 2026
تُوِّج المُنتخَب الإسباني بطلاً لكأس العالم للمرّة الثانية في تاريخه، بعد تغلّبه على نظيره الأرجنتيني بهدف نظيف، في المباراة النهائية في ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي بالولايات المتحدة. وذلك في المونديال الذي وصف بأنّه الأكثر إثارةً لجدل تحكيمي واسع، انطلق منذ دور المجموعات، واستمرّ في الأدوار الإقصائية، وسط شبهات في مجاملات بالتغاضي عن احتساب ضربات جزاء مستحقَّة وواضحة، وتجاهل حالات طرد مباشر نتيجة تدخّلات عنيفة. وقد لاحقت الانتقادات التحكيمية مُنتخَب الأرجنتين تحديداً طوال مشواره في البطولة، ولاسيّما في مواجهته المُنتخَب المصري في ثُمن النهائي، الذي أداره الحكم الفرنسي فرانسوا ليتيكسييه، وساهمت قراراته المثيرة للجدل في تغيير نتيجة اللقاء في الدقائق الأخيرة لمصلحة الأرجنتين، وكذلك أمام المُنتخَب الإنكليزي في نصف النهائي، وصولاً إلى المباراة النهائية أمام المُنتخَب الإسباني، التي أدارها الحكم السلوفيني سلافكو فينتشيتش، الذي تعرّض لانتقادات حادّة بسبب قراراته المشوبة بانحياز إلى المُنتخَب الأرجنتيني. وقد تغاضى حكّام عن عنف لاعبي مُنتخَب الأرجنتين طوال مبارياته في البطولة مقارنةً بالتشدّد في التعامل مع أيّ عنف يصدر عن لاعبي المنافسين، بإشهار الحكّام البطاقات الصفراء والحمراء في وجوههم.
شهد مونديال 2026 ملامح مهمّة جديرة بالتأمل. الأهمّ نهاية النظام الكروي الدولي القديم، بدخول القوى الكروية العظمى مرحلة الذبول والأفول، بدءاً من البرازيل التي لم تحقّق لقب المونديال منذ نسخة 2002، وأدمنت الخروج بصورة متتابعة بعدما خسرت في نصف نهائي نسخة 2014 على أرضها أمام ألمانيا بنتيجة قياسية (7–1)، ثمّ عادت في نسخة 2018 وخرجت في ربع النهائي، وكرّرت الخروج في الدور نفسه في 2022، بينما خرجت البرازيل مبكّراً للغاية من ثُمن النهائي في نسخة 2026. ومروراً بألمانيا التي خرجت من دور المجموعات في نسخة 2018، في سابقة لم تحدث في تاريخها منذ 80 عاماً، ثمّ عادت وكرّرت إخفاقها نفسه في نسخة 2022، ثمّ خرجت بصورة مهينة من دور الـ32 في نسخة 2026 أمام مُنتخَب لاتيني للمرّة الأولى في تاريخها. وانتهاءً بإيطاليا التي أخفقت للمرّة الثالثة على التوالي في تجاوز التصفيات والتأهل إلى المونديال أصلاً. وهو تحوّل جدير بالنظر، فكلّ القوى الكروية العظمى التي تداولت الفوز بلقب المونديال خلال العقود الماضية أفلت نجومها، كما أنّ فرقها صارت دون المستوى، من ناحية الأداء الجماعي إجمالاً وعلى المستوى الفردي للاعبيها، بل إنّ لاعبين متميّزين يؤدّون بصورة أفضل مع أنديتهم مقارنة بأدائهم مع مُنتخَبات بلادهم.
تراجع كبير للمدرسة اللاتينية بجناحيها البرازيلي والأرجنتيني، لمصلحة التقدّم الكبير للمدرستَين الإسبانية والفرنسية
الملمح الثاني التحوّل الكبير الذي تشهده الخريطة الكروية الدولية، بالتراجع الكبير للمدرسة اللاتينية بجناحيها البرازيلي والأرجنتيني، لمصلحة التقدّم الكبير للمدرستَين الإسبانية والفرنسية. فإسبانيا وفرنسا أصبحتا أكبر حاضنتَين لصناعة كرة القدم في العالم، على مستوى إنتاج اللاعبين وصقل قدراتهم وإعادة تصديرهم إلى دول أخرى، وأيضاً على مستوى الناحية الخططية والأساليب التكتيكية الكروية القائمة على اللعب المباشر والاستحواذ، في حين أنّ المدرستَين الخططيتَين القديمتَين، الألمانية والإيطالية، قد تداعتا بعدما تصدّرتا المشهد نحو ثلاثة عقود.
بإلقاء نظرة على طرفي النهائي في نسخ المونديال السبع التي شهدها القرن الحالي، نجد أنّ ثلاثاً منها كانت أوروبية خالصة (2006 – 2010 –2018)، وأن أربعاً منها كان أحد طرفيها أوروبياً والثاني لاتينياً (2002 –2014 –2022 –2026)، في حين تمكّنت مُنتخَبات أوروبية من حسم اللقب لمصلحتها خمس مرّات، بينما لم تحقّق مُنتخَبات أميركا الجنوبية اللقب سوى مرّتَين فقط، وهو ما يكشف التقدّم الأوروبي والتراجع اللاتيني كروياً خلال ربع القرن المنصرم، بينما كان المشهد المونديالي في القرن العشرين سجالاً بين الطرفَين.
أفسد متعة كرة القدم تحوُّلها إلى صناعة ثم إلى موجة عاتية من التسليع والرسملة
يبدو واضحاً أنّ عصر الكرة الجميلة ولّى، فمنذ مطلع التسعينيّات بدأ عصر الكرة الجميلة، القائمة على اللمسات الجمالية واللفتات الساحرة، في الأفول والانحسار، لمصلحة عصر الكرة الخططية، القائمة على التكتيك والأداء الآلي الخالي من المتعة والجمال. لم تعد الموهبة وحدها هي معيار تقييم اللاعبين، بعد دخول معايير أخرى إلى ساحة التقييم، مثل معدّل اللياقة البدنية، والقدرة على مواصلة اللعب بالجهد نفسه حتّى نهاية المباراة، والقوّة الجسدية، ومدى القدرة على الاحتفاظ بالكرة أو استعادتها من المنافس، إلى جانب بروز الأرقام التي تجاوزت عدد الأهداف التي سجّلها اللاعب عاملاً في التقييم، إلى القدرة على الركض، ودقّة التمريرات والتسديدات، أو عدد التصدّيات لتسديدات المنافس. فقد قلّ تدريجياً عدد اللاعبين المهاريين الممتعين، القادرين على انتزاع آهات الجماهير بلمساتهم السحرية. ومن الممكن أن نؤرّخ لمونديال فرنسا 1998، باعتباره كان بمثابة بداية النهاية للكرة الجميلة، إذ فاز مُنتخَب فرنسا بلقب تلك النسخة من المونديال من دون أن يكون لديه رأس حربة أو هدّاف واحد، فكان الاعتماد على الحضور الجماهيري، بالإضافة إلى تألّق زين الدين زيدان ورفاقه.
يبدو جليّاً أنّ العامل الأساس الذي أفسد متعة كرة القدم هو تحوُّلها إلى صناعة، ثمّ إلى موجة عاتية من التسليع والرسملة، بلغت ذروتها في مونديال 2026.