عن تحويل سد النهضة إلى قضية رأي عام

عن تحويل سد النهضة إلى قضية رأي عام

06 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

أكثر من يعلم أن المفاوضات بشأن أزمة سد النهضة الإثيوبي، والمشكلات المستجدّة التي أفرزها تشييده، من قبيل التعبئتين، الأولى والثانية، وحصة كل من مصر والسودان من مياهه التي سيقللها حجز كميات ضخمة منها خلف خزانه، أكثر من يعلم أن تلك المفاوضات ليست سوى لهوٍ، هو حكام مصر والسودان. ومع ذلك، استمرأوا الإيغال في محاولات جعلها واقعاً، فنسجوا الحكايات على جوانبها ورفعوا المظلوميات، في مسارٍ يعرفون من البداية أن المعارك التي يخوضونها خلاله لا تتعدّى دونكيشوتية التهويل، بانتظار مضي الوقت، حتى يتكرّس ما يعرفون أنه سيكون واقعاً لهم اليد في تكريسه. وجديد هذا الاستمراء، ما يبدو أنه محاولةٌ من حكام البلدين في تحويل مشكلة سد النهضة إلى قضية رأي عام، وبذلك يُنزلون عن كاهلهم عبء التظاهر بالحفاظ على حقوق بلادهم. ومن القضايا التي تقع ضمن تلك المحاولة عزم السودان على رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية بحق إثيوبيا وشركة "ساليني" الإيطالية التي تساهم في تنفيذه.

يحاول قادة البلدين نسج الوهم، إذ كانوا بكامل قواهم العقلية والجسدية وأهليتهم القانونية عندما وقَّعوا على ما سُمِّي "اتفاق المبادئ حول سد النهضة" فاعترفوا بذلك بالسد وبحق إثيوبيا في البدء بإشادته، وما يترتب على هذه الإشادة من استعانة بأي شركةٍ من أي جنسية كانت للمساعدة في بنائه. والحصول، وهنا النقطة الأهم، على القروض من البنوك الدولية لتغطية تكاليفه. إضافة إلى ذلك، أعطوها الحق في ملئه وفق الجدول الزمني الذي ترتئيه، وتسمح مراحل البناء بالبدء فيه. ولولا ذلك الاتفاق، لبقيت الشركات الدولية على موقفها الرافض المشاركة في بنائه، واستمرّت البنوك الدولية في رفض تمويله، لأن هذه الجهات عادة ما ترفض المشاركة في أنشطةٍ موضع نزاع، فجاء اتفاق المبادئ ليُظهر أن النزاع قد انتهى.

ألم يكن الرئيسان المصري، عبد الفتاح السيسي، والسوداني، عمر البشير، يعرفان هذه الحقيقة عندما وقعا الاتفاق ببنوده العشر مع الحكومة الإثيوبية في أديس أبابا، في مارس/ آذار 2015؟ أم أنهم لم يقرأوا تلك النقاط؟ وإن كانوا قد قرأوها، هل تعذّر عليهم فهمها، وغفلوا بذلك عن النتائج المترتبة عليها، والقانون عادة لا يحمي المغفلين؟ يعرف الجميع أن ثمن توقيع اتفاق المبادئ كان حثّ إثيوبيا التي كانت تترأس الاتحاد الأفريقي في تلك الفترة، لإعادة عضوية مصر فيه بعد تعليقها على خلفية انقلاب السيسي على الرئيس الراحل محمد مرسي، أواسط سنة 2013. وهذه آلية اتبعها الاتحاد الأفريقي، يعلِّق بموجبها عضوية أي دولة يحصل فيها انقلاب عسكري، من أجل الحد من ظاهرة الانقلابات التي كانت تضرب القارة على مدى عقود.

ثمن توقيع اتفاق المبادئ كان حثّ إثيوبيا التي كانت تترأس الاتحاد الأفريقي في تلك الفترة، لإعادة عضوية مصر فيه بعد تعليقها على خلفية انقلاب السيسي

وقد تفاعل الموقف بعد فشل المحادثات التي اختتمت في كينشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية، أوائل إبريل/ نيسان الماضي، من دون تحقيق اتفاق من أجل العودة إلى المفاوضات حول السد للاتفاق على عملية الملء الثاني لخزانه التي ستبدأ مع موسم الفيضان، في يوليو/ تموز المقبل. وكان وزير الخارجية المصري، سامح شكري، قد قال عن تلك المحادثات إنها مفاوضات "الفرصة الأخيرة"، غير أنه لم يُتَح لدول المصب أي خير من تلك الفرصة بعد تعنُّت إثيوبيا وتَمسُّكها بقرارها البدء بالملء الثاني. لذلك قال وزير الري والموارد المائية السوداني، ياسر عباس، قبل أيام، إن بلاده قد تلجأ إلى المحاكم الدولية لمقاضاة شركة ساليني الإيطالية المشاركة في تنفيذ السد، بسبب "الآثار البيئية والاجتماعية" التي ستنجم عن إتمامه. كما لوَّح بخيارات أخرى منها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ومحاكم حقوق الإنسان ومحكمة الكوميسا، وهي السوق المشتركة لجنوب أفريقيا وشرقها. وتأتي هذه التهديدات على خلفية رفض إثيوبيا اقتراح إشراك الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي بالمفاوضات. إذ إنها غير ملزَمة بإشراك أطراف دولية، ما دام اتفاق المبادئ، ببنده العاشر، قد نص على أن تسوية النزاعات الناشئة عن تفسير الاتفاق أو تطبيقه، تخضع لمبدأ حسن النيات، ولم ينص على لزوم إحالتها إلى أطراف دولية أو مؤسسات أممية.

يُقرأ من هذا الأمر أن السودان، وربما بدفعٍ من مصر، يقود حملة لجعل قضية سد النهضة قضية رأي عام محلي ودولي، لإشراك رجل الشارع فيها، وكل من له دراية بتفاصيلها وبمخاطر السد أو من يجهلها، لكي يصبح له رأي فيها، بفضل جعلها قضيةً شخصيةً تمس كل شخص يعيش في بلدَي المصب، مصر والسودان. وعلى عكس ما يريده قادة البلدين من المفاوضات، ومن طلب مساعدة الجميع في إعادة إثيوبيا إليها، وهو المراوغة والتسويف، بعد أن وافقوا لها على كل شيء، يريدون من هذه المفاوضات والدعوة إليها الظهور بمظهر الغيورين على مصالح البلاد والمُدافعين عن حقوق شعبها، وبالتالي تحشيد الجميع حولهم وتنصيب أنفسهم أبطالاً، بعدما فرَّطوا بحقوق بلديهما المائية.

يقول مسؤولو مصر والسودان إنهم لن يفرِّطوا بالحقوق، فينادون بالمفاوضات والعودة إلى المفاوضات التي ستصبح هي القضية

وفي هذا السياق، يخرج مسؤولو البلدين للحديث الدائم عن أنهم لن يفرِّطوا بالحقوق، فينادون بالمفاوضات والعودة إلى المفاوضات التي ستصبح هي القضية، وستصبح أهم من إيقاف الملء الثاني. لذلك يجري عقد الندوات ونقاش الموضوع في كل المحافل. كذلك يجري تجييش الإعلام ضد إثيوبيا لشيطنتها، هذا الإعلام الذي أنكر، سنة 2015، مخاطر السد ونفى خطأ الموافقة على بنائه، وتحدّث عن بدائل من قبيل تبطين التُّرَع واعتماد أساليب الري الحديثة، واستغلال مياه الصرف الصحي بعد معالجتها، وتحلية مياه البحر لتعويض النقص.

ولأن هذه القضية تمسّ حياة الجميع فمن السهولة تحويلها إلى قضية رأي عام وعلى المستويات كافة، لأن القضية التي بدأت اقتصادية، أصبحت سياسية واقتصادية واجتماعية، وأخذت تهز كيان البلدين، فمن الأسلم الركوب عليها قبل أن تهز كيان النظامين. وتكمن خلف هذا الأمر خطورةٌ كبيرة؛ إذ يمكن لهذين النظامين أن يصبحا في حلٍّ من أمرهما تجاه قضايا المواطنين المعيشية وعدم الاهتمام بمسألة التنمية ومحاربة الفساد، والاستمرار في سياسات القمع ومصادرة الحريات. وسيخرج الإعلام في البلدين يبرِّر ذلك بأن المعركة باتت مصيرية، تتطلَّب وقوف الجميع خلف قيادتهم لمواجهة المخاطر، وبالتالي تأبيد السيسي في مصر، والتملّص من مهمة إنهاء الفترة الانتقالية في السودان لتسليم السلطة للمدنيين، فيبقى العسكر متسيِّدين، حتى من دون أي التزام بقضايا مواطنيهم.