عن تحدّيات الوساطة القطرية وآفاقها

03 يناير 2026
+ الخط -

على الرغم من تحدّيات كبيرة واجهتها على مدار شهور حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة (2023-2025)، استمرّت الدوحة في لعب دور "الوسيط النشيط" في هذا الصراع المعقّد، وعملت لتطوير أدائها وخطابها الدبلوماسي استجابةً للتحدّيات المتصاعدة التي فرضتها تحوّلات البيئتَيْن الدولية والإقليمية على السياسات العربية والإقليمية والدولية تجاه هذه الحرب الضروس.
وفي إطار تحليل سياسة قطر تجاه العدوان الإسرائيلي، خصوصاً ما يتعلّق بتحدّيات الوساطة القطرية وآفاقها بعد القمة الأميركية الإسرائيلية (29/12/2025)، يمكن الوقوف عند خمس ملاحظات؛ أولاها تتعلّق بانعكاسات المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظامان الدولي والإقليمي على جهود الوساطة القطرية، سواء في قضية غزّة أم في سواها من القضايا الإقليمية والدولية؛ إذ برز احتدام الصراعات والحروب في عدة أماكن، خصوصاً في إقليم الشرق الأوسط، الذي بات يشهد، بعد هجوم الفصائل الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزّة (7/10/2023)، درجةً واضحةً من "توسّع الصراع الإقليمي"، نتيجة تصعيد المحور الأميركي الإسرائيلي سياساته/ إجراءاته/ عقوباته ضدّ قوى المقاومة الفلسطينية و"داعميها" في الإقليم (حزب الله اللبناني، وجماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن، وإيران، والفصائل العراقية المسلّحة الموالية لها). واستطراداً، أدّى احتدام/ توسّع الصراع الإقليمي في المنطقة إلى تقليص مساحة حركة الأداة الدبلوماسية، وفرَض مزيداً من القيود على فرص نجاح جهود الوساطة عموماً، على الرغم من أن تداعيات هذه المرحلة الانتقالية على المنطقة لا تزال تفرض استمرار الحاجة إلى أدوار الوساطة والجهود الدبلوماسية التي تقوم بها قطر (وكذا الجهود العُمانية والسعودية وغيرها)، مع التأكيد على تعقّد/تعثر الوساطات عندما تكون إسرائيل طرفاً في أيّ أزمة إقليمية، بسبب طبيعة سياستها التفاوضية، كما سيأتي لاحقاً.

نجحت الدبلوماسية القطرية في تحويل الاعتداء الإسرائيلي عليها إلى "فرصة" للضغط على إسرائيل

تتعلّق الملاحظة الثانية بتداعيات سياسة واشنطن في إقليم الشرق الأوسط، وتطوّر التحالف الأميركي الإسرائيلي في ظلّ إدارة دونالد ترامب، على الرغم من "التضخيم الإعلامي" للخلافات الشخصية بين ترامب ونتنياهو؛ إذ يبدو الأول مهووساً بالمجد الشخصي والحصول على جائزة نوبل للسلام، ومدفوعاً بالرغبة في تحقيق "صفقات/ إنجازات" سريعة في سياساته الخارجية، سيّما في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بغية إخراج إسرائيل من "مأزقها الاستراتيجي" مع الشعب الفلسطيني، خصوصاً بعد تصاعد التضامن الشعبي العالمي معه، بالتوازي مع تصاعد عزلة إسرائيل الدولية وخسارتها معركة العلاقات العامة، كما جاء في تصريحات ترامب لموقع دايلي كولر (1/9/2025) عن "خسارة إسرائيل معركة العلاقات العامة، وفقدانها نفوذها في الكونغرس".
وعلى الرغم من الضغط الأميركي على نتنياهو لتقديم اعتذار عن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة (9/9/2025)، وارتقاء العلاقات الأميركية القطرية، واستمرار الحاجة الأميركية للدورَيْن القطري والتركي، فإن سياسة الرئيس ترامب تجاه حرب غزّة تخلو من "الحدّ الأدنى" من التوازن (لكيلا أقول الإنصاف والعدالة)، لا سيّما في الاعتراف بمعاناة الغزّيين وحقوقهم الإنسانية والسياسية، في مقابل إحجامه عن الضغط على نتنياهو، واستمرار نزوع ترامب نحو الصفقات، وفتح الباب أمام مشروعات عقارية/ استثمارية/ سياحية عملاقة على شواطئ غزّة، التي تؤكّد دعم واشنطن الضمني مخطّطات تهجير الغزّيين من أرضهم، على نحو يخدم سياسة نتنياهو لتوظيف المفاوضات والاتفاقات والتهدئات ضمن "رؤية استراتيجية متأنية"، بغية إطالة أمد حرب غزّة وتطويع تداعياتها لدعم حظوظ معسكر اليمين بزعامته، ضمن الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية المقبلة (2026).
تتعلّق الملاحظة الثالثة بالاستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية الممنهجة لإحباط جهود الوسطاء، عبر الدمج بين تكثيف استخدام الأداة العسكرية/ الأمنية، بالتوازي مع استخدام تجويع الغزّيين سلاحاً سياسياً، والمماطلة/ التلاعب بالمفاوضات، وتقليص صلاحيات الوفود التفاوضية، والتنصّل من تنفيذ الاتفاقات، وإعادة تفسيرها بما يفرغها من مضمونها، خدمةً للمصالح الإسرائيلية في إطالة أمد الحرب، وفرض شكل الحلّ الذي يريده اليمين المتطرّف، على نحو يكرّس حرية العمل العسكري الإسرائيلي في قطاع غزّة، وصولاً إلى هدف "إعادة تشكيل" إقليم الشرق الأوسط برمّته على "مقياس إسرائيل" ومصالحها الأمنية والاستراتيجية. وغني عن البيان الأثر السلبي/ المُعطِّل لهذه الاستراتيجية الإسرائيلية على الوساطة القطرية في حرب غزّة؛ إذ يمكن القول، من دون تحفظ، إن إصرار حكومة نتنياهو على "الحسم العسكري" و"أولوية الحلّ الأمني" و"التفاوض تحت النار"، و"اغتيال المفاوضين الفلسطينيين"، والهجوم الغادر على دولة الوساطة الرئيسة، شكّل أكبر التحدّيات أمام الوساطة القطرية.
تتعلّق الملاحظة الرابعة بالبيئة الإقليمية المحيطة بالوساطة القطرية في حرب غزّة؛ إذ نجحت الدبلوماسية القطرية في تحويل الاعتداء الإسرائيلي عليها (9/9/2025) إلى "فرصة" للضغط على إسرائيل، بالإضافة إلى استضافة الدوحة القمّة العربية الإسلامية (15/9/2025)، وكذا الموقف القطري المبادر في الاجتماع الأميركي مع قادة الدول الإسلامية في نيويورك (23/9/2025)، الذي أفضى إلى بلورة خطة ترامب ذات العشرين بنداً، ثم انعقاد مؤتمر شرم الشيخ (13/10/2025).
وعلى الرغم من هذه النجاحات الدبلوماسية القطرية وتسجيلها "نقاطاً" في المرمى الإسرائيلي، فقد تغلّبت هشاشة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط على هذه "الصحوة الإقليمية الآنية"، لكي تعود مسارات التطبيع الإقليمي مع إسرائيل، كما يتّضح من مثالَيْن: أولهما توقيع نتنياهو صفقة الغاز مع مصر بقيمة 35 مليار دولار (17/12/2025)، ما يعني تفضيل القاهرة مصالحها الاقتصادية والتجارية مع واشنطن وتل أبيب، واحتمال عودة النظام المصري إلى الانخراط في فكّ "العزلة الإقليمية" عن إسرائيل، والآخر إعلان إسرائيل اعترافها بـ"أرض الصومال" (26/12/2025) وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الطرفَيْن.
تتعلّق الملاحظة الأخيرة باستمرار الوساطة القطرية وخطابها المتوازن، وسعيها الدؤوب إلى إيجاد مقاربة مناسبة للتعامل مع التداعيات الاستراتيجية لحرب غزّة، التي عكست، في جوهرها، أزمة السياسات العربية والإقليمية والدولية في خضم المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها الإقليم والعالم. وقد عملت إسرائيل على توظيف تداعياتها لأقصى حدّ ممكن، عبر توظيف محورية/تحكم العامل الأميركي في الحرب ومساراتها، بدايةً وتهدئةً وإدارةً، بالتوازي مع إحجام أغلب القوى الدولية والإقليمية عن استخدام أوراق قوتها في الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف هذه الحرب وتخفيف وطأتها على أهالي غزّة، ما أدّى، في المحصّلة النهائية، إلى إطالة الحرب.

تغلّبت هشاشة النظام الإقليمي فعادت مسارات التطبيع مع إسرائيل

وعلى الرغم من وضوح خطاب الدبلوماسية القطرية في تحميل إسرائيل مسؤولية عرقلة المفاوضات والحلول، وإدانة دولة قطر، دون مواربة، المنهج الإسرائيلي (في اغتيال المفاوضين الفلسطينيين، فضلاً عن استهداف أراضي الوسيط القطري)، فقد بقي الخطاب متوازناً/ باحثاً عن حلول ومقترحات ومبادرات لحلحلة عُقد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة، ما عكس إصرار الدوحة على العمل على نزع فتيل الأزمات الإقليمية، تأكيداً لرؤيتها في حلّ الصراعات عبر الدبلوماسية والحوار والتفاوض، على نحو يفضي، في المحصّلة النهائية، إلى نتائج إيجابية بالنسبة للأمن الإقليمي وتهدئة الصراعات في الإقليم، وصولاً إلى البحث عن حلول إقليمية ناجعة للتعامل مع تصاعد التهديد الإسرائيلي لأمن المنطقة واستقرارها على نحو غير مسبوق.
يبقى القول إن تقويم ما أُنجز في الوساطة القطرية في حرب غزّة يقتضي التأكيد على ثلاثة أمور: أولها، جاهزية الدبلوماسية القطرية للحركة السريعة تجاوباً مع الأزمات الإقليمية الكبرى، بالتوازي مع ابتكار مسارات للحركة الجزئية والعمل على توسيعها باستمرار. ثانيها، الأثر الحاسم للبيئتين الدولية والإقليمية في عرقلة الوساطة القطرية (مع وجود استثناءات قليلة تتعلّق بدول مثل تركيا وإسبانيا). وثالثها، أهمية استمرار الضغوط العربية والإقليمية على واشنطن لتبنّي مقاربة أكثر توازناً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لمنع إسرائيل من جرّ الإقليم بكامله إلى مستنقع الفوضى والتفتيت وتأجيج الصراعات الإقليمية والداخلية، على نحو لن يسلم منه أيُّ طرف كان في هذه المنطقة.

C74992A8-A105-4EE2-85DA-EDD34A643EDE
C74992A8-A105-4EE2-85DA-EDD34A643EDE
أمجد أحمد جبريل

باحث فلسطينيّ مُتخصِّص في الشؤون العربية والإقليمية، له كتاب عن "السياسة السعودية تجاه فلسطين والعراق"، صادر عن مركز "الجزيرة" للدراسات، وعدد من الدراسات المحكمة المنشورة في الدوريات العلمية.

أمجد أحمد جبريل