عن القفص الذهبي

عن القفص الذهبي

06 سبتمبر 2021
الصورة

(هدية شافي)

+ الخط -

بكى الرجل المصدوم، وهو يروي قصته مع الزوجة التي أخذت قرارا مفاجئا بالانفصال. وبحسب جانبه من القصة، ظنّ دوما أن حياته الزوجية مستقرّة ومحصّنة وخالية من الأزمات الكبرى. لم يحدُث أن نشبت بينهما خلافات جوهرية، وكان وضعهما المادي مستقرا، ولطالما كانا موضع حسد الجميع، لأن الزواج كان تتويجا لقصة حبهما سنين طويلة، تغلبا فيها على موانع كثيرة، ووصلا إلى هدفهما الكبير في العيش معا تحت سقف واحد؛ زوجين سعيدين متفاهمين منسجمين إلى حد كبير. وبعد مضي خمس عشرة سنة وإنجاب طفلين باتا في سن المراهقة، أعلنت زوجته، من دون مقدّمات، عن رغبتها في الابتعاد من دون تقديم مبرّرات منطقية، سوى إحساسها بالملل والرتابة. قالت له إن العمر الافتراضي لعلاقتهما انتهى، فلم تعد تشعر تجاهه بشيء من تلك المشاعر المتدفقة التي جمعتهما في البداية. لم يجد في ما تقوله أي معنى، لأن مشاعره زادت متانة، وأصبح أكثر تعلقا بها، حريصا على قضاء أطول وقت بصحبتها.
كان يشاهد أصدقاء له متزوجين يخونون زوجاتهم، ويتهرّبون من بيوتهم، ويهملون مسؤولياتهم تجاه أبنائهم، ويمارسون حياتهم بأنانية وتهور، ما جعله ينفر من أجوائهم التي وصفها بأنها غير محترمة. ساورت قلبه المخاوف والشكوك بأن خلف رغبتها المفاجئة علاقة غرامية آثمة جمعتها بأحدهم. أكلت الغيرة قلبه، واشتعلت روحه غضبا، وأحس بأن حياته انهارت دفعة واحدة دونما ذنب اقترفه سوى حبه الكبير لها، والتزامه بتأمين مستقبل أسرته وتفانيه ونكران ذاته من أجل راحتها. الزوجة المتشبثة بموقفها لم تنكر كل مزاياه زوجا وأبا مسؤولا، لم يقصر في واجباته يوما، لكنها تحدّثت بمرارة عن نمط الحياة الرتيب والمتكرّر الذي يرهق الروح، ويستنفد الطاقة، فتتبلد المشاعر وتذوي تحت وطأة الاعتياد والتكرار.
قد يرى بعضهم أن طرح الزوجة ينطوي على التنصّل من المسؤولية ونكران الجميل والاستهتار بمصير الأبناء، وأن موقفها لا يخلو من الترف والفذلكة والتأثر بمفاهيم مستوردة عن العلاقات الإنسانية في العموم. العلاقة الزوجية، بطبيعتها، معقدة وشائكة، وتتطلب قدرا كبيرا من التنازلات المتبادلة، يقدّمها الطرفان في سبيل مصلحة الأسرة. وأنها مثل أي علاقة إنسانية خاضعة للتحولات غير المتوقعة، والتي ينبغي التعاطي معها بحكمةٍ وصبرٍ وتأن، وهذه قدرات بدأ الإنسان المعاصر بفقدانها في ظل الثقافة الراهنة التي تعزّز الفردية والاستقلالية والرغبة في التحرّر من القيود الاجتماعية، باعتبار ذلك حقوقا أساسية، لا بد من صونها. تتعقد الصورة أكثر في حالة وجود أطفال هم الضحية الأولى التي تدفع الثمن باهظا من أمانها الأسري واستقرارها النفسي.
يلجأ الأزواج في الغرب إلى مستشارين مختصين في محاولة لإنقاذ الأسرة قبل الشروع في إجراءات الطلاق والانفصال. ويلجأ إلى تلك الوسيلة أبناء طبقة معينة في مجتمعاتنا. وثمّة حكماء قليلون ينجحون في تخطّي أزماتهم الزوجية من خلال منح الطرف الآخر حيزا كافيا لنيل قسط من الراحة، لالتقاط أنفاسه وتحقيق ذاته مهنيا واجتماعيا، وذلك لقدرتهم على إدارة حياتهم الزوجية بذكاء وحكمة، بعيدا عن الفكرة الكلاسيكية التي تعتبر الزواج قفصا ذهبيا محكم الإغلاق، وهو نهاية المطاف بالضرورة. وهنا المشكلة الحقيقية، إذ تتحوّل علاقة الحب التي تبدأ واعدة جميلة إلى قيد يحبس الأنفاس، ويجهز على التوق والدهشة، ويحيل الحياة إلى مشهد متوقّع متكرّر، ما لم يراجع أطراف العلاقة سلوكهما، ويتداركان أخطاءهما والتخلي عن أنانيتهما، ويتفهمان أن العلاقة ليست واقعا ثابتا، بل إنها تخضع للتحول والتبدّل، باعتبار ذلك جزءا أصيلا من طبيعة البشر التي لا تقل صعوبة وتعقيدا.