عن الجهود المصرية في غزة واستغلال الفرصة

عن الجهود المصرية في غزة واستغلال الفرصة

23 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

ثارت، أخيرا، أقاويل عديدة عن الدور المصري في الأحداث الفلسطينية التي تتابعت، وجرت في غضونها حرب عدوانية إسرائيلية على قطاع غزة، فمن وجهة نظر بعضهم، كان دوراً غير معتاد، وفي وجهة نظر آخرين كان ملموسا ومؤثرا، فقد برز هذا الدور، أخيرا، بشكل كبير في سبل الوساطة بين حركة حماس والحكومة الإسرائيلية، ما ساهم، بشكل كبير، في وقف العنف والقصف الاسرائيليين، وهو ما ترتبت عليه اتصالات بين الرئيس الأميركي، بايدن، ونظيره المصري، عبد الفتاح السيسي، كان فيها كثير من الشكر والثناء على الدور المصري، وكان ذلك حدثاً هاما، لأنه الاتصال الأول بين الرجلين، منذ تولّي بايدن السلطة في الولايات المتحدة في يناير/ كانون الثاني الماضي، ثم توالت تصريحاتُ الإشادة من عدة عواصم أوروبية وعربية بالدور المصري الجاد الذي أسهم، بشكل فعال، في بدء الهدنة. وبعد ذلك بدأنا نسمع عن الوساطة المصرية بين الفصائل الفسطينية وجهود توحيد الصف، ثم الجهود المصرية لإعادة الإعمار. وكان قبل ذلك هناك مجهود مصري اعتُبر فريدا من نوعه، مثل فتح معبر رفح واستقبال المصابين، وهو من الأمور التي كان بعضهم يعتبرها من الخطوط الحمراء أو الممنوعات بعد 3 يوليو/ تموز 2013، ومنذ تولي السيسي الرئاسة.

وبسبب غياب المعلومات في مصر، تكثر الروايات، والروايات المضادّة بشأن كل حدث، حيث كثرت الأقاويل والتحليلات لما يحدث، هناك من نظر بارتياب إلى الدور المصري الرسمي أخيرا، وهناك من نظر إليه بإعجاب، حتى من داخل أصواتٍ محسوبةٍ على المعارضة المصرية، خصوصا أن المواقف الرسمية المصرية كانت مخالفة أو متعارضة مع مواقف وتصريحات رسمية مصرية خلال السنوات السبع الماضية. وليس خافيا على أحد أن الإعلام المصري الذي يدار كاملا بواسطة الأجهزة الأمنية، دأب منذ سنوات عديدة على إلصاق تهمة الإرهاب ومحاولة تخريب مصر حركة حماس، بل إن الخطاب الإعلامي الشعبوي المؤيد للمنظومة الحاكمة كثيرا ما يكيل الاتهمات للفلسطينيين بشكل عام. ولذلك كان التعامل المصري مع الأحداث الفلسطينية أخيرا مفاجئاً لقطاعات عديدة، خصوصا الانحياز المعلن للطرف الفلسطيني، مقارنةً بمواقف دول عربية أصبحت حليفة "لإسرائيل"، ومدافعة عنها، مثل الإمارات والبحرين، وأيضا كانت الوساطة المصرية مؤثّرة بخلاف وساطة أطراف اخرى. أما الأكثر مفاجأة فذلك الاحتفاء الكبير من حركة حماس ومعها باقي الفصائل بوفد السلطة المصرية وأجهزة المخابرات، وتلك اللغة الحميمية المتبادلة بين قيادات حركة حماس وممثلين رسميين لأجهزة مصرية. ونظر بعضهم بارتياب إلى موقف السلطة المصرية والرئاسة والأجهزة الأمنية، وكثرت أقاويل غير منطقية بأن الحكومة المصرية تخدع الفلسطينيين لصالح "إسرائيل"، وظهرت أقاويل أخرى أيضا متشكّكة في الموقف المصري، تزعم أن ذلك التضامن المصري مع فلسطين وحركة حماس غرضه التشويش على أزمة سد النهضة الإثيوبي، واعتقد آخرون أن تفاعل السلطة المصرية بتلك القوة هدفه تعزيز موقع مصر الإقليمي، تمهيدا لبدء الحرب على إثيوبيا بخصوص أزمة المياه.

روّج مؤيدون للسلطة والنظام في مصر أن "حماس" و"إسرائيل" يتظاهران بالحرب ضد بعضهما بعضا من أجل إشغال مصر عن قضية المياه وسد النهضة

بشكل عام، تلك عينةٌ من آراء وتحليلات أفراد ومجموعات معارضة وكارهة لمنظومة الحكم في مصر. وعلى الجانب الآخر، روّج مؤيدون للسلطة والنظام في مصر أن "حماس" و"إسرائيل" يتظاهران بالحرب ضد بعضهما بعضا من أجل إشغال مصر عن قضية المياه وسد النهضة لإعطاء فرصة للجانب الإثيوبي من أجل اسئناف الملء خلسة.

وبعيدا عن كل ذلك الصياح والتلاسن ونظريات المؤامرة بشأن الدور الرسمي المصري في الآونة الأخيرة، هناك تحليل عقلاني بشأن العلاقة بين السلطة المصرية وأجهزتها الأمنية مع حركة حماس وباقي الفصائل الفلسطينية، فصحيح أن الوضع كان متوترا بشدة منذ إزاحة الرئيس السابق محمد مرسي، ثم سجنه وكل ما حدث من إجراءات وأحداث بعد 3 يوليو/ تموز 2013، وعلى الرغم من المناوشات اللفظية المتبادلة بين محسوبين على حركة حماس وآخرين محسوبين على النظام الحاكم في مصر، إلا أن السلطات المصرية تعاملت، بشكل كبير من البراغماتية، مع ذلك الملف الحساس، وظهرت مصر (كدولة) بمظهر الكبير والقائد في المنطقة العربية مرّة أخرى، رأى بعضهم أنها فرصة كبيرة للسلطة الحاكمة لتثبيت المكانة ولإعادة الريادة المصرية في المنطقة، ومن الذي يضيع فرصة بتلك القيمة؟ فعندما تصبح ذا ثقل كبير في منطقة ما، يمكّنك ذلك من فرض شروطك وتحسين قوتك التفاوضية في قضايا أخرى.

العلاقة بين مصر و"إسرائيل" من جهة، أو بين مصر والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، ليست في خط واحد، إذ تحكمها عوامل كثيرة وتداخلات متعدّدة

تلك البراغماتية التي تعاملت بها السلطات المصرية بخصوص الأزمة أخيرا محمودة، فقد استغلت السلطات المصرية علاقتها القوية مع الحكومات الإسرائيلية في المجالين، الاقتصادي والأمني، بعد معاهدة السلام من أجل وقف الحرب، كما أن لدى السلطات المصرية وأجهزة المخابرات العامة في مصر تاريخا كبيرا من التواصل مع الفصائل الفلسطينية، ومحاولة التوفيق بينهم منذ سنوات طويلة، وقد أفاد ذلك كثيراً في الجهود الأخيرة. وجدير بالذكر أنه، على الرغم من التلاسن الإعلامي، خصوصا من الجانب المصري، بعد 2013، إلا أنه توجد زيارات واجتماعات ومقابلات مهمة تنظمها المخابرات المصرية مع الفصائل الفلسطينية منذ 2017، وهو ما كان له دور كبير في تطبيع العلاقات، وفي ما رأيناه، أخيرا، في تلك الحفاوة التي تعاملت بها حركة حماس مع الجهود المصرية.

العلاقة بين مصر و"إسرائيل" من جهة، أو بين مصر والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، ليست في خط واحد. تحكمها عوامل كثيرة وتداخلات متعدّدة، الالتزامات القومية والعروبية متداخلة مع البراغماتية ومصلحة الدولة (من وجهة نظر الحاكم). ولذلك، يختلف التفاعل المصري مع القضية الفلسطينية عن أي تفاعل وتعاط مع أي دولة أخرى، فمصر كانت في مواجهة مباشرة مع "إسرائيل" عدة مرّات، واحتضنت القيادات الفلسطينية سنوات عديدة، في العهد الناصري، ولم يتوقف التواصل والتنسيق مع السلطة الفلسطينية في عهد حسني مبارك. حتى في عز تطبيع نظام مبارك مع "إسرائيل"، وتصدير الغاز المصري إليها، واتفاقيات التجارة الحرّة و"الكويز" كان هناك تساهل أمني مصري، في أحيان، في دخول السلاح والبضائع من مصر إلى قطاع غزة عبر الأنفاق.

أبدى الموقف المصري، أخيراً، مرونة كبيرة وبراغماتية وخطوات ذكية تجاه الفصائل الفلسطينية، وتجاه تركيا وقطر

وفي الأحداث أخيرا، ظهر تباين واضح بين الدور المصري الذي كان يبدو محايدا، وإن كان منحازاً، في الوقت نفسه، للجانب الفلسطيني، وهو ما اتضح في جهود الوساطة وفتح المعبر وتوفير الرعاية الطبية للمصابين بجانب جهود إعادة الإعمار، والموقف الإماراتي والبحريني الذي كان منحازاً علانية "لإسرائيل" ضد الفلسطينيين، وهو موقف عجيب وجديد من نوعه في التاريخ العربي، وشاهدنا جميعا مظاهر التطبيع الفجّ التي تزداد كل يوم بين الإمارات و"إسرائيل". وكانت هناك تصريحات إعلامية عدائية من صحافيين وإعلاميين إماراتيين ضد الشعب الفلسطيني والحقوق الفلسطينية.

بشكل عام، يمكن القول إن الموقف المصري، أخيرا، أبدى مرونة كبيرة وبراغماتية وخطوات سياسية ذكية تجاه الفصائل الفلسطينية، وتجاه تركيا وقطر، فالسياسة الدولية تقوم على المصالح في الأساس، وطبيعي أن تتغير المواقف مع مرور الوقت وتعدّد التغيرات، وفي السياسة عموما ليس هناك صديق دائم ولا عدو دائم. ولكن هذا يطرح سؤالا أيضا، فإذا كانت السلطات المصرية تستطيع الجلوس مع من كانوا أعداء في وقت قريب، ومن كانوا ضمن التهديدات الخارجية، بهدف تقليل الخلافات والفجوات من أجل المصلحة العامة، أو من أجل تقليل العداوات، أو من أجل الاستفادة في ملفات أخرى، أليس من الأحرى والأجدى أن يكون هناك مجهود أكبر من السلطات المصرية من أجل المصالحة الداخلية، وتقليل مشاعر الاحتقان وإعادة اللّحمة الوطنية؟ أليس من المفيد أن تكون هناك مجهودات ومساع للإفراج عن المسجونين المصريين لأسباب سياسية، ولم الشمل الداخلي، بالتوازي مع مساعي المصالحة، أو التوافق أو الإفراج عن السجناء خارج مصر؟