عن التفسير الثقافي للتجربة الأفغانية

عن التفسير الثقافي للتجربة الأفغانية

11 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

بعد سيطرة حركة طالبان على كابول، وانهيار الحكومة الأفغانية التي دعمتها وموّلتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، ساد جدل كبير داخل الولايات المتحدة بشأن ما يسمى فشل تجارب "بناء الأمم"، فبعد عشرين عاما من الوجود العسكري، وصرف أكثر من تريليون دولار، عادت أفغانستان إلى حكم "طالبان"، وكأن العشرين عاما الماضية لن تترك أي أثر على أفغانستان وشعبها.

ركز المنظّرون، وخبراء أفغانستان كما يقال عنهم، على عامل رئيسي واحد، هو التفسير الثقافي، بمعنى أن كل ما جلبته معها الولايات المتحدة فشل في تغيير طبيعة المواطنين ألأفغان وثقافتهم وسلوكهم السياسي والاقتصادي، وبدا أن معلقين كثيرين مقتنعون تماما بهذا التفسير. لا أقول هنا إن الثقافة لا تحمل شيئا من الإجابة، بل إنها كذلك بكل تأكيد. ما أقوله هو عدم السقوط في فخ الاستسهال ورد كل شيء إلى الثقافة. ..

كان البروفيسور جيرت هوفستد قد قدّم واحدة من أكثر الدراسات شمولاً عن كيفية تأثر القيم في علاقتها بالثقافة، وأصبح كتابه "أبعاد الثقافة" (1980)، مؤسسا للبحث المقارن بين الثقافات. طوّر فيه أول نموذج تجريبي لـ"أبعاد" الثقافة الوطنية، وبالتالي وضع نموذجًا جديدًا لمراعاة العناصر الثقافية في الاقتصاد الدولي والاتصال والتعاون. يقول هوفستد إن مفهوم "الثقافة" مثير للجدل للغاية في العلوم الاجتماعية، ويحتدّ النقاش أكثر عند محاولة تعريف الثقافة. وإذا كانت الثقافة شيئًا ثابتًا، فلا تتغير أبدًا، وما إذا كان من الممكن أن تكون ثقافة المفهوم هي الحل لكل سلوك، فالثقافة لا تتصف بالثبات، ولكنها تتطور مع تطوّر المجتمع وازدهاره. إنها مجموعة من التغييرات التي يتكيف معها العالم عندما يتغير الوقت. إنه العامل الرئيسي للأداء الاجتماعي، حسب غلومير.

لم تترسّخ ثقافة السلام في أفغانستان في بلدٍ اعتاد الحروب والجبال والغزاة

لكل مجتمع ثقافته الفريدة التي تتطوّر وتتطور بمرور الوقت. ولذلك مؤكد أن التطور الثقافي للمجتمع الأفغاني لم يتوقف عند حركة طالبان قبل عشرين عاما، كما أن الوجود الأميركي هناك ساهم، بكل تأكيد، في إيجاد عوامل ثقافية تفاعلت داخل المجتمع الأفغاني. ولذلك، من الصعب جداً القبول بأن المجتمع الأفغاني عاد ببساطة إلى قواعده الثقافية مع وصول "طالبان" إلى السلطة، لا سيما أن هذه الحركة سيطرت على كابول وأفغانستان كلها بقوة السلاح، وليس عبر أخذ آراء الناس أو بالمفاوضات، كما أن الحكومة التي شكلتها كانت مجرّد حكومة طالبانية محضة لقيادات عسكرية سابقة، وضعتها الآن في الحكم، بغض النظر عن خبرتها في الحكم، لكن هدفها الأساسي هو تطبيق الشريعة، كما كتب رئيس الحكومة (المؤقتة) الملا محمد حسن أخوند في رسالته الأولى إلى أعضاء حكومته.

بالتأكيد، ستصطدم هذه الحكومة بالمجتمع الدولي الذي له شروط واضحة، من الصعب على "طالبان" قبولها. ويرى صاحب المقالة أن مرحلة البراغماتية داخل "طالبان" صعبة جداً، فهي حركة يتغلب فيها الأيديولوجي على البراغماتي. ولذلك ليس متوقعا حدوث أي انعطافات داخل الحركة باتجاه القبول بشروط المجتمع الدولي. ولذلك يمكن القول إن الثقافة الأفغانية متنوعة ومتعدّدة، وربما كانت "طالبان" وقيمها إحدى تجليات هذه الثقافة، لكنها بالتأكيد لا تعكس الثقافة الأفغانية المتنوعة، لكن الحركة الأكثر تنظيما وتسليحا (طالبان) استطاعت استبدال فشل حكومي ومؤسساتي لم يكن له دور في حماية المؤسسات الأفغانية بحركة أصولية ترغب بعودة أفغانستان إلى حكم تخيلي شرعي، لا وجود له إلا في عقول قادة "طالبان".

التطور الثقافي للمجتمع الأفغاني لم يتوقف عند حركة طالبان قبل عشرين عاماً

لم تترسّخ ثقافة السلام في أفغانستان في بلدٍ اعتاد الحروب والجبال والغزاة. ولذلك لم يكن صعبا تخيّل أن حركة طالبان كغيرها سترحل، لكنها ستترك ندوبا كثيرة على وجوه النساء والأطفال، وهو ما من شأنه أن يعزّز فكرة الصراع المضادة لفكرة السلام.

كان التركيز النظري الرئيسي لبولدينغ هو فكرة السلام عملية يومية، تحدّت فكرة السلام عملية مملة وثابتة وراسخة. هناك تترسخ عملية السلام في الثقافة التي يقوم عملها على "التعزيز الشخصي للسلام"، فنظرية السلام هذه تشكيل التفاهمات والسلوكيات، وإعادة تشكيلها، للتكيف مع عالم متغير باستمرار، والحفاظ على الرفاهية للجميع.

لن يطول الوقت طويلا قبل أن يجد الغرب نفسه مدعوّا إلى التدخل عسكريا في أفغانستان، إذا ما نشأ أي عمل إرهابي. وبالتالي، كأننا لم نتعلم من دروس الماضي، وأن الثقافة الأفغانية ستبقى تعيش في صراع داخلي حول الهوية، قبل أن تجد طريقا إلى التصالح مع ذاتها. ولا أعتقد أن هذا باليوم القريب.