عن "البيت العود" ذي الواجهة الزرقاء
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
"البيت العود" (مواقع التواصل الاجتماعي)
على الواجهة البحرية لمدينة مطرح، ثمّة بيت شرفاته ومداخله زرقاء، ولكنّ جدرانه بيضاء، وكأنّه يجمع لونَي السماء والسُّحب في الأعلى، ولون البحر في الأمام. هذا البيت التقليدي العريق، الذي يعود بناؤه إلى الخمسينيّات، هو بيت الحاج علي عبد اللطيف، ويشرف عليه ولده رضا، ويحرص على تحسينه. ورضا هو صاحب كتاب "رماد الأشياء"، وهو كتاب مذكّرات عن مطرح ذو نكهة طفولية، وتدور رحى الكتاب تحديداً في هذا "البيت العود"، وانطلاقاً منه وعودة إليه. البيت الذي تبدو واجهته بسيطة، ولكن ما إن تدخل إليه حتى تنفتح العين على متاهة من الغرف والتحف والآثار، وكأنّك في متاهة بورخيسية، أو في أحد بيوت مدينة فاس في المغرب الأقصى، وتحديداً المدينة القديمة. هناك أيضاً يمكن أن تجد شبيهاً له بين بيوت مدينة البصرة بالعراق، وخاصّة تلك البيوت ذات الشناشيل، وفي مثل هذه البيوت كَتب بدر شاكر السيّاب قصيدته التي تحمل اسم أحد دواوينه "شناشيل بنت الحلبي" (أو الشلبي كما تلفظ أحياناً). والشناشيل هي الشرفات الخشبية المزخرَفة.
تزدان جدران بيت مطرح وزواياه، أو "البيت العود"، كما يحلو لأصحابه تسميته، بالصور القديمة والتحف النادرة، إلى جانب مكتبة تحتوي على نسخة نادرة من القرآن الكريم. هناك أيضاً صحون البورسلين العتيقة والنادرة المعلّقة على الجدران ذات الفجوات التقليدية، وهي أطباق مزخرفة كثيفة تُحرق في درجات حرارية عالية، كما أنّها مقاومة للزمن، ويمكن أن تحافظ على رونقها وبريقها لعشرات السنين. حافظ هذا المنزل أيضاً على تصميمه القديم، وأنت تتنزّه بين سلالمه عليك أن تنتبه كي لا تنزلق رجلاك أو يصطدم رأسك بأحد السقوف العديدة في المنزل. فهو، حتّى بعد ترميمه، لم تتأثّر هندسته الأصلية، ليبدو وكأنّه يحاكي الزمن القديم ويتماهى معه.
دعا رضا عبد اللطيف، أخيراً، جمعاً من أهله ومعارفه إلى تناول الغداء، تحديداً ظهيرة السبت الماضي، وكان ضمن الحضور بعض الكتّاب والمثقّفين، بينهم الشاعر سيف الرحبي، وقصي مكّي (صاحب التجربة المسرحية القديمة في النادي الأهلي بمطرح)، وسعيد الصقلاوي (رئيس الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء)، والشاعر لبيد العامري (نجل الأديب الراحل مبارك العامري)، وجمال النوفلي (كاتب مقالات ومدوِّن رحلات)، وآخرون. يضم البيت الأثري ثماني غرف، في كلّ غرفة نصيب من التحف والصور القديمة، ومن الخارج يظهر هذا البيت الأثري للناظر بسهولة، خاصّة لمن يتمشّى في كورنيش مطرح من الجهتَين، غير بعيد من سوق الظلام، السوق العريق بمطرح الذي يزدحم خاصّة في صباحات وليالي أيّام العطل الأسبوعية وقبيل المواسم والأعياد. وقد عُرف عن هذا السوق ذي الطلّة البحرية عراقته وتوافر معظم السلع المنزلية فيه، من ضمنها شتّى أنواع الحبوب والبهارات، كما أنّه يحتوي على تجويفات وأزقّة تقليدية، من أهمّها أزقّة أسواق الذهب والملابس والتحف والهدايا القديمة، كما سوق لعب الأطفال. وبهذا يكون سوق الظلام في عمقه مجموعة أسواق متداخلة، كلّ سوق منها معني بسلعة معيّنة، مثل سوق اللبان أو العطور الظفارية، وهو مجموعة دكاكين متشابهة لا تبيع إلا السلع الظفارية من لبان وعطور. ثمّة أيضاً في الخلفية سوق عمارة طالب، وهي بناية قديمة على أطراف سوق الظلام، وتحتوي على جملة متشابهة من الدكاكين، بها عدد وافر من الخيّاطين، وكذلك من بائعي الملابس القطنية. بعدها تأتي مطاحن الدقيق والحبوب. حين تكون في سوق مطرح لا يمكنك أن تشعر بالملل، فأنت بداية ستذرع الكورنيش مشياً، حيث أسراب النوارس التي تحلّق حول السفن الرابضة، ثمّ ستدخل السوق، ومن هناك ستطلق ساقيك في مشي كيلومتراتٍ عديدة وأنت تتنزّه بين أسواقٍ لسلع مختلفة يجمعها سوق الظلام تحت مسمّى واحد.
وبالعودة إلى البيت العود ذي الواجهة البحرية، وأثناء خروجي وتوديع مضيفنا الودود رضا عبد اللطيف، استوقفتني لوحة فوتوغرافية وُضعت في الممرّ الخارجي، يظهر فيها البيت بهيئته الأولى القديمة، وقد اقتربت أمواج البحر من حوافّه، فعلّق أحد الخارجين، وهو أحد الذين تربّوا وعاشوا في هذا البيت، قائلاً إنّهم حين كانوا صغاراً كانوا يقفزون من عتبة البيت ذي القاعدة المرتفعة إلى البحر، ولكن بعد أن بُني كورنيش مطرح وشارعه، فُصل البحر عن تلك البيوت المواجهة له، كما صار المكان أكثر أماناً من خطر هيجان الأمواج والمدّ البحري.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية