عن الانشغال الدولي بالوضع التونسي

عن الانشغال الدولي بالوضع التونسي

09 سبتمبر 2021
الصورة

مشهد في ساحة محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد مهد الثورة التونسية (27/8/2019/فرانس برس)

+ الخط -

منذ 25 يوليو/ تموز الماضي، ودخول تونس مرحلة الإجراءات الاستثنائية التي أدّت إلى تجميد البرلمان وتعطيل الحكومة ودخول البلاد في حالة ترقب سياسي مجهول الأفق، لم تتأخر ردود الفعل الدولية، سواء من الشركاء الاقتصاديين لتونس، أو الدول المجاورة بحكم الجغرافيا والمصالح. وكان الجانب الأميركي الأكثر اهتماما بمتابعة الوضع التونسي، على الأقل من حيث الزيارات المعلنة، فبعد المقابلات التي أجراها نائب وزير الخارجية الأميركي بالنيابة، جوي هود، ونائب مستشار الأمن القومي في البيت بالأبيض، جوناثان فينر، ومدير مكتب شمال إفريقيا لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جوش هارس، في الـ13 من الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، وشملت رئيس الجمهورية وشخصيات من المجتمع المدني التونسي. ثم عرفت تونس زيارة ثانية لوفد من الكونغرس يومي 3 و4 سبتمبر/ أيلول. وكالعادة تضاربت ردود الأفعال بين مرحب بالدور الأميركي ورافض له ومندد به باعتباره شكلا من التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد. غير أن متابع تطورات الأحداث يلاحظ أن ما جرى في تونس اتخذ منحىً إقليميا ودوليا منذ البداية، في ظل حالة التجاذبات الدولية، ومع ازدياد الترابط بين ما هو داخلي وما هو خارجي، وتأثير الأحداث على دول الجوار والقوى الإقليمية ذات المصالح.

الدول الفاعلة لا تدعم الديمقراطية بالضرورة، ولكنها بالتأكيد تشدّد على ضرورة وجود نظام سياسي مستقر

كان من الطبيعي أن تجد تونس نفسها في بؤرة الانشغال الدولي لأسباب مختلفة، فقد فرضت الشراكة الاقتصادية مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وجود هذا التأثير القوي للقوى الدولية على الوضع التونسي، فالدول المانحة والمؤسسات الدولية التي تقترض منها البلاد تفرض دوما ما يمكن تسميتها المشروطية الاقتصادية والسياسية، من دون أن يعني هذا أنها تدعم الديمقراطية في كل الأحوال، ولكنها بالتأكيد تشدّد على ضرورة وجود نظام سياسي مستقر، يملك مؤسسات واضحة من أجل التعامل معه في قضايا التمويل والمنح والهبات والقروض. ولهذا، لم يكن الاهتمام الدولي بالوضع التونسي مفاجئا ولا مستغربا، وهو ليس أمرا خاصا بتونس في ذاتها، بقدر ما هو جزء من السياسة الدولية المتبعة، من حيث حرص القوى الدولية على مصالحها.

اختلفت مواقف الدول في تعاملها مع المشهد التونسي ما بعد 25 يوليو/تموز. وإذا كان السفير الفرنسي في تونس، أندري باران، قد أعرب عما سمّاه تفهّم بلاده للإجراءات الحاصلة، فإن البيان الصادر عن سفراء مجموعة الدول السبع في تونس كان واضحا في مطالبته بضرورة سرعة العودة إلى نظام دستوري، يلعب فيه برلمانٌ منتخب دورا بارزا، وعلى تعيين رئيس حكومة جديد. ودعوا إلى الالتزام باحترام الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لجميع التونسيين وباحترام سيادة القانون. وواضح أن القوى الدولية التي أعلنت عن مواقفها إزاء الوضع التونسي تحرص أساسا على ضرورة وجود هيكل سياسي يمكن التعامل معه، وليس بالضرورة عودة البرلمان المجمد، ولكن سيكون من لوازم الشراكة وجود رئاسة للحكومة وبرلمان منتخب وهياكل سياسية تتمتع بمصداقية دولية.

لم تعد البلدان جزرا منعزلة، فمنظومة الاتصالات وشبكة المصالح واعتماد الدول الأقل نموا على الاقتراض الخارجي وتلقّي الهبات والمنح الدولية يجعلها عرضةً لنفوذ المانحين والدائنين

ربما كان الموقف الأميركي هو الأكثر إصرارا على الحفاظ على وضع ديمقراطي في البلاد، من دون أن يعني هذا أنه يتماهى تماما مع مواقف أطراف داخلية تونسية. والحقيقة أن الحرج الذي تعانيه إدارة الرئيس بايدن الديمقراطية تكمن في التوجهات المعلنة التي يتبنّاها الحزب الديمقراطي الأميركي من خلال ما تسمى سياسة دعم الديمقراطية أو نشرها، والتي تربط تقديم المساعدات الاقتصادية بممارسات الدول المتلقية للمعونة في مجال التحوّل الديمقراطي وحقوق الإنسان. وهذا التوجه تدعمه شبكة من المنظمات والهيئات الأميركية غير الحكومية، ولجلّها نشاط دائم في تونس خلال السنوات الماضية، ونعني هنا تحديدا منظمات مثل "المعهد الديمقراطي الوطني" و"المعهد الجمهوري الدولي" و"فريدوم هاوس" و"المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية"، وغيرها من هيئاتٍ تتوفر على شبكة علاقات وشراكات مع قوى ومنظمات وهيئات مماثلة في تونس، وهذه القوى تمثل عنصر ضغط على الإدارة الأميركية الحالية من اجل الدفع نحو الحفاظ على الوضع الديمقراطي التونسي.

من حق الأحزاب والمنظمات التونسية التنديد بالتدخل الأجنبي في الوضع الداخلي، غير أن هذا الموقف لن يغير شيئا من واقع الأمور لجهة أن استقرار الدول لم يعد شأنا داخليا فحسب، ولم تعد البلدان جزرا منعزلة، فمنظومة الاتصالات وشبكة المصالح واعتماد الدول الأقل نموا على الاقتراض الخارجي وتلقّي الهبات والمنح الدولية يجعلها عرضةً لنفوذ المانحين والدائنين. وفي الوقت نفسه، يكشف عن تضارب المصالح بين القوى الكبرى. والأكيد أن النقطة المشتركة بين هذه الدول جميعا هي الحفاظ على وضع الاستقرار ومنع نشوء بؤرة توتر جديدة، قد يكون لها آثارها السلبية على الجميع، في منطقةِ تعاني من أزمات وفوضى وصراع منذ عقود.