عن "الأمن" في غزّة
في المشهد الغزّي المنكوب، يتحوّل "الأمن" من مصطلح تقني إلى أداة قهر تصادر الحقّ الأساسي في الحياة، لتبدو المعادلة مقلوبة: فبدل أن يكون الأمن مدخلاً إلى الحياة يصبح غطاءً لتعليقها. والمفارقة القاسية أنّ مَن يفرض شروط "الأمن" هو نفسه مَن ينقض أمن الغزّيين يومياً في ظلّ احتلال لا يتوقّف وحصار لا ينتهي، مع وقف هشّ لإطلاق النار (قتلت إسرائيل ما لا يقلّ عن 576 فلسطينياً وجُرح 1543 منذ آخر إعلان لوقف إطلاق النار). كيف يُطلب من شعب يختنق تحت وطأة واقع الاحتلال أن يضمن أمن مُحتلّه؟
ومع كل جولة تفاوضية، تتحوّل كلمة "الأمن" إلى شروط مسبقة: انسحاب مقابل نزع سلاح، إعمار مقابل ترتيبات أمنية... ليس "الأمن" هنا وصفاً لحياة قابلة للعيش، فإذا كانت إعادة الإعمار مرهونةً بمعادلةٍ أمنيةٍ لا يملك أهل غزّة التحكّم بها، فإنّ "الأمن" يغدو اسماً آخر لتوقّف الحياة. وحين يتحوّل الأمن إلى شرطٍ للتمويل والشرعية، يصبح تلقائياً شرطاً لشكل الإدارة ولمَن يملك القرار.
وفي المقاربات المطروحة لإعادة إعمار غزّة، يظهر مسارٌ يربط الانسحاب وإطلاق إعادة البناء بملفّ نزع سلاح حركة حماس، فيما يتردّد المانحون في ضخّ الأموال خشية عودة الحرب، ويبقى الناس محاصرين بين قلق العودة إلى القصف وقلق الحياة بلا خدمات. لكن الأخطر من تحويل الأمن بوابةَ عبور إلزامية، هو توسيع دلالته ليشمل هندسة الحكم وإعادة صياغة الكيان الاجتماعي–السياسي بأكمله. فالمقترحات المطروحة لإدارة ما بعد الحرب يُصاغ كثيرها بمنطق "إدارة المخاطر" لا بمنطق "استعادة الحقوق"، أي بتحويل أيّ سلطة محلّية وسيطاً يضبط المجتمع وفق شروط مفروضة عليه من الخارج، لا وفق إرادة الفلسطينيين وحاجاتهم.
في قلب هذه المعادلة المشوّهة، تقف عبارة "نزع سلاح حماس" شرطاً مسبقاً ومطلقاً، من دون أن نتوقّع حديثاً موازياً عن نزع قدرة آلة الاحتلال على قصف المدنيين، وعن تفكيك بنية الحصار التي تُنتج العنف يومياً. هذه ليست مساواة قانونية بين طرفَين، بل كشف لانتقائية معيار السلاح حين يُفصل عمداً عن جذره الحقيقي: الاحتلال والظلم المنظَّم، وهو فصل يسعى إلى تحويل المقاومة من ردّة فعل على عدوان مستمرّ إلى "تهديد أمني" مجرّد، وكأنّ المشكلة تبدأ من السلاح ولا تبدأ من السيطرة التي ولّدته.
لهذا تتعثّر المفاوضات، ولأن كلَّ طرف يحمل قاموساً مختلفاً. في القاموس الإسرائيلي والأميركي، يعني "النزع" تفكيك القدرات الثقيلة شرطاً لمرحلة "ما بعد الحرب"، مع آليات تحقّق صارمة تمنع إعادة البناء. لكن المعضلة ليست التشدّد فحسب، بل ترتيب الأولويات: يُطلب من غزّة أن تسلّم مفاتيح القوة أولاً ثم تُناقش السياسة لاحقاً. وفي قاموس "حماس"، لا تُفصل مسألة السلاح عن واقع الاحتلال؛ ويُقدَّم السلاح بوصفه "حقَّ مقاومة"، بحسب تصريحات خالد مشعل أخيراً. لكنّ هناك قاموساً غير مُعلَن يخصّ الغزّيين أنفسهم، وهو القاموس الذي يُستبعَد عادةً من طاولة الشروط. للمريض الذي ينتظر الخروج عبر رفح، "الأمن" أن تمرّ الحافلة بلا تأخير ولا إذلال ولا استجواب. وللعائلة التي فقدت بيتها، يبدأ "الأمن" من إعادة الإعمار، لا من جولات التفاوض الطويلة.
معركة "التعريفات" أخطر من البنود، والمخرج لا يكون بقبول المعادلة المفروضة، بل بكسر منطقها: الأمن المستدام ليس نتيجةً للإملاءات، بل هو ثمرة طبيعية للعدالة، فلا يمكن بناء أمن دائم على أنقاض كرامة شعب، ولا يمكن أن تكون هناك تهدئة مستمرّة من دون أفق يرفع الحصار وينهي منطق السيطرة والاحتلال.
كيف يمكن قلب الطاولة على هذا النقاش المشوّه؟ ليس السؤال: كيف تُؤمَّن إسرائيل على حساب الفلسطينيين، بل كيف يُؤسَّس لعدالة تضمن الأمن والحياة الكريمة. يحتاج هذا إلى معايير واضحة تُقاس بها السياسة على الأرض، في مقدّمها فكّ الارتباط بين الإعمار والفيتو الأمني الذي يُعلّق الحياة إلى أجل غير مسمّى. فالأمن، في نهاية المطاف، ليس بنداً للتفاوض، هو جوهر الحقّ في الحياة نفسها: حياة يمكن أن تُعاش، لا أن تُدارَ تحت سقفٍ لا يقي الغزيّين من المطر.