عن احتفالات السوريين بسقوط الديكتاتورية
سوريون يحتفلون في إدلب بالذكرى الأولى لسقوط الأسد (8/12/2025 فرانس برس)
خرج ملايين السوريين إلى ساحات المدن والبلدات السورية وشوارعهما، وفي مدن في الشتات، احتفالاً بالذكرى الأولى لسقوط أكثر النظم استبدادية في تاريخ بلدهم الحديث، وغنّوا أناشيدَ الحرية، وأهازيج الفرح وعزّة الانتصار، واستعادوا في لحظات تاريخية ما قدّموه من تضحيات جسام في درب الخلاص والتحرّر، ومن أجل سورية جديدة، التي بدأت تشقّ طريقها نحو المستقبل. لا يمكن التعبير باللغة وحدها عمّا يختلج في نفوس السوريين، فاللغة تبقى قاصرة عن حمل المعاني في داخلهم، وما يدور في عقولهم. فقد لبس معظمهم أزهى ثيابه، ورفعوا العلم السوري: علم الثورة، أو تزيّنوا به ورسموه في جباههم.
حمل السوريون في الاحتفالات بذكرى سقوط الأسد رسالة مزدوجة: تحقيق إرادة التغيير، ومطالبة الإدارة الجديدة بتغيير التركة الثقيلة لصالح الشعب
كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، من مختلف المشارب والأوساط. مشوا مسافات طويلة، وشكّلوا مواكب حاشدة، كي يصلوا إلى الساحات والشوارع الرئيسة. وجاء بعضهم من البلدات والقرى إلى ساحات المدن الرئيسة، بعد أن قطعوا مسافات طويلة. كانت لحظات خرج فيها ذوو الضحايا وسواهم، تقديراً للتضحيات، وفرحاً باستعادة بلادهم، وتجديد العزم على بناء المستقبل بقدراتهم وسواعدهم، والتعبير عن بارقة أمل للعيش بكرامة، والتخلّص من تركة نظام الأسد البائد. كانت لحظات لإظهار أن إرادة السوريين أقوى من إرادة الطغاة، وأن حريتهم التي وُلِدت من تحت الدمار أصبحت حقيقة، ولا أحد يقدر على سلبها أو وأدها من جديد.
قد لا يكون عامُ واحدٌ كافياً من أجل استعادة القدرة على النهوض والوقوف، فالجراح كثيرة لم تندمل بعد ولم تُشفَ، وبناء ما دمره نظام الأسد البائد يحتاج سنوات وسنوات؛ فالخراب الذي خلّفه لم يُصب العمران فقط، بل ضرب النسيج الاجتماعي وفتّت البلاد، التي عاث فيها فساداً أكثر من خمسة عقود من الظلم والإذلال والقهر والعدوان. وتختلط مشاعر عامّة السوريين ما بين الفرح الغامر (يصعب وصفه) بسقوط نظام الطاغية، والأسى على الأوضاع المعيشية لغالبيتهم، وعلى ما آلت إليه أوضاع البلد، فالإنجاز عظيم جدّاً، لكن الخراب كبير جدّاً أيضاً، وما تحقّق كان بعيد المنال، لأنه لم يكن مجرّد حدث سياسي، بل حدث هائل بمفاعيله ومركّباته، وبمعانيه ومبانيه، بالنظر إلى أنه جاء تتويجاً لتحقّق إرادة شعب صنع تاريخه بدماء مئات الآلاف من أبنائه، فضلاً عن مئات الآلاف من المفقودين، والمغيّبين قسراً، وتناثر أكثر من نصفه ما بين نازح في الداخل ولاجئ في الخارج. هي لحظة الحقيقة التي دشّنت لحظة سقوط نظام الاستبداد، وهروب الديكتاتور إلى موسكو.
نعم، إنها لحظة فخر واعتزاز، شعرتُ بها بين جموع المحتفلين، وشدّتني روح الجماعة، وإرادة غامرة في التعبير عن هذا الحدث العظيم. لم أنظر في عيونهم ووجوههم، بل أخذتني أهازيجهم وأغانيهم، ورقصات الفرح، وحلقات الدبكة. وأحسست مثلهم بأن هذا التغيّر ليس مجرّد حدث سياسي، بل هو حدث تاريخي عظيم، وأن ثورة السوريين كانت تعبيراً عن إرادتهم لصنع تاريخهم وكتابة مصيرهم بأنفسهم، وأنهم بعد سقوط الاستبداد ماضون في بناء سورية التي حلم بها من ضحّى بروحه وجسده، كي تجسّد سورية دولة الحرية والكرامة والمواطنة، دولة تتسع لجميع أبنائها.
روى لي بعض المحتفلين بسقوط نظام الأسد بعضاً من قصصهم وحكايا أحبتهم وأقربائهم، ممن قتلهم أو غيّبهم أو شرّدهم هذا النظام. لم يستوقفني كمّ الآلام والجروح العميقة في نفوس غالبية السوريين فقط، بل أيضاً الإصرار على طي هذه الفصول الطويلة المُظلمة من تاريخ سورية الحديث. لم ألمس لدى أي منهم رغبة في الثأر، بل أن يأخذ القانون مجراه وتتحقّق العدالة. احتفل السوريون بمرور عام على سقوط النظام الأسدي، وبدأت سورية مرحلة تحوّل تاريخي، وخرج الناس احتفالاً، إلا أن ما أفرزته تلك الاحتفالات يحمل معاني عميقة، أبعد من مجرّد تعبير عن الفرح بالخلاص من نظام الطاغية، الذي أذاق الشعب السوري ويلات القمع والقهر والظلم. وعلى الرغم من حالة الفرح التي سيطرت على معظم مناطق البلاد، فإن تجاوز ما جرى خلال المرحلة المظلمة السابقة لا يزال بعيداً.
أعلن سقوطُ النظام (أو التحرير) في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 سقوطَ تفاهة الشرّ وابتذاله، وعلى الرغم من أهمية الحدث الرمزية والسياسية، فإنه لم يشكّل نهاية درب الآلام الطويل، بل لحظة مواجهة مباشرة مع إرث تجاوز الخمسة عقود من التدمير المنهجي والتفتيت المستمرّ للنسيج الاجتماعي وبنية الدولة. صحيح أن الخوف والرعب زالا، ولم يبقَ شيء اسمه الاعتقال والتعذيب، ولا الاختفاء القسري، لكنّ الطريق لا تزال طويلة أمام تحقيق طموحات السوريين ووعود ثورتهم في بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية.
كان سقوط النظام لحظةً رمزيةً كبرى، لكنه لم يُنهِ الأسئلة الثقيلة التي خلّفها الاستبداد
تحمل الحشود الجماهيرية الغفيرة التي خرجت للاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد رسالة مزدوجة في طيّاتها، فهي تكشف، من جهة أولى، تحقيق إرادة الشعب السوري في التغيير، ومن جهة أخرى، تحمل طموحات بأن على الإدارة الجديدة العمل على تغيير التركة الثقيلة والكارثية لصالح الشعب، وبناء صورة جديدة مختلفة تماماً عن الاستبداد والديكتاتورية.