عن أيام الأربعاء الأميركية

15 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

بدايةً، هي ليست شماتة في أميركا، معاذ الله. ولا تشّفيا في الأميركيين، جمهوريين وديمقراطيين، على الرغم مما فعلوا جميعهم بنا، نحن العرب، على امتداد الزمن والجغرافيا. وإنما هي مشاهداتٌ في ظلال غزوتين وقعتا في الكونغرس في أسبوع. من تابع مشاهد جحافل الذين حطّموا شبابيك "الكابيتول هيل" وخلعوا أبوابه أُصيب بالهلع مما نضح من بطن أميركا من غضب وعنصرية وإرهاب محلي، لا يضاهيه ولا ينافسه كل الإرهاب الخارجي أو المستورد الذي واجهته أميركا خلال عقود ماضية. وعلى هول ما جرى في الأربعاء الأولى (6 يناير/ كانون الثاني الجاري) في ردهات مبنى الكونغرس ومكاتبه ومبناه، إلا أنه لا يقل فظاعة عما جرى يوم الأربعاء التالية (13 يناير)، خلال مناقشة نواب الأمة مشروع قرار يخصّ الشروع في اتخاذ التدابير الخاصة بعزل الرئيس دونالد ترامب. 
في الأربعاء الأولى، نفثت أميركا ما في صدرها، أو ربما شيئاً بسيطاً مما يعتمل في جوفها من عنف وغضب، وفجرته في اقتحام تاريخي لقلعة الديمقراطية الأميركية. طوفان من الرعاع والغوغاء، الخارجين من غبار الحرب الأهلية، مدجّجين بحقد على أميركا مارتن لوثر كينغ التي سيّدت باراك أوباما وكامالا هاريس، وكلاهما ينحدر من "نسل العبيد". آلاف من العنصريين البيض يتسلحون بالحراب والسيوف والأسلحة البيضاء والسوداء، يهتفون لقتل ساسة ومنتخبين، وكلهم حنين لأميركا السيد الأبيض والرقيق الأسود، يوم كان الأبيض هو السيد والأسوَد هو العبد. أربعاء سارت فيه حشود "كيو أنون" تحت راية الكونفدرالية التي تمثل الولايات الجنوبية خلال الحرب الأهلية (1861-1865) ورمز النضال ضد إلغاء العبودية. وتعالت هتافات "حيث يذهب واحد نذهب جميعاً" و"واحد للجميع والجميع للواحد". إنها أربعاء المشنقة التي رُفعت أمام مبنى الكابيتول في استدعاء صارخ لمفهوم "يوم الحبل" في رواية "دفاتر تورنر" التي نشرها النازي الجديد وليام بيرس عام 1978، وهي "خطة لثورة تفوق البيض"، تبحث فيها شخصيات الرواية عن "من خانوا عرقهم"، أمثال نانسي بيلوسي، من أجل شنقهم. لا شيء سيمحو تلك المشاهد التي تدفقت عبر شاشات التلفاز، تنقل صور عتاة الفاشية الأميركية الجديدة، يعيثون تخريباً وفساداً في مكاتب النواب داخل مباني الكونغرس، يحرثون تراثاً طالما تباهت به الولايات المتحدة الخارجة من أتون حروبٍ أهليةٍ طويلة، المنتصرة في بناء أمة موحدة، صارت في سنواتٍ قليلةٍ رائدة العالم الحديث وقائدته في شتى الميادين والحقول.
لا يقل ما جرى في يوم الأربعاء التالي، هذه المرة على منبر الكونغرس، في المبنى المُحصّن الحصين، المحروس بآلاف الجنود ورجال الأمن، والمسيّج بأسوار من الحديد والنار، ضراوة وبشاعة، ونحن نستمع لعنصريين متأنقين بربطات العنق، من نواب الحزب الجمهوري محاولين، بلغة محتالة، تبرئة دونالد ترامب، والتملق له. خلال جلسات النقاش الخاصة بمشروع قرار لتنحية الرئيس ترامب، بسبب تحريض أنصاره على اقتحام مبنى الكونغرس، ما أدّى إلى مقتل خمسة أشخاص، بينهم رجل أمن، وجرح العشرات، بالإضافة إلى ما لحق بالمبنى ومحتوياته من خراب، ارتفعت أصوات نواب من الحزب الجمهوري تدافع عن ترامب وأنصاره بلا خجل، وتتشدّق بنبراتٍ لا تقل عن عنصرية جيك أنجيلي، ذي القرنين (أحد رموز غزوة الكونغرس) حماسة لرئيسٍ هو الأسوأ والأقبح والأوقح في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
ما بين أربعاء الغزوة وأربعاء العزل، أربعاء التخريب برايات العنصرية وحرابها، وأربعاء التحريض بخطابات اليمين المتأنقة بفذلكاتها، تحصد أميركا مرارة حنظل سنوات الشعبوية الإقصائية التي تجذّرت، وصار لها تيار يعد بالملايين. صار لـ"الترامبية" الشعبوبة رموز ومنظّرون ورايات، وصار لها جيش من المحاربين الأشاوس. شعبوية تسامح الأميركيون معها، على الرغم من تطاولها على القانون والشرعيات والدستور سنوات، فصار لها فيها أنياب وأظافر تنهش وجه الديمقراطية الأميركية، وتحفر فيه ندوباً، على الأغلب، أنها لن تبرأ لوقت طويل بعد أربعاء التنصيب.