عن "نادي الديمقراطيات" و"صراع الرأسماليات"

عن "نادي الديمقراطيات" و"صراع الرأسماليات"

23 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

عادت أميركا، وعاد الديمقراطيون يرفعون راية زعامة "العالم الحر"، دفاعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في وجه الاستبداد. "يحتاج الأميركيون إلى شيء يقاتلون من أجله، قبل أن يجدوا من يقاتلون ضده"، كما يقول الأكاديمي الأميركي دومينيك تيرني. وهذا ما يجعل سياساتها الخارجية، بأبعادها العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية، تُبنى على أساس التحدّيات والتهديدات الأجنبية، الواقعية والمبالغ فيها. بعد احتواء الخطر الشيوعي وانخفاض خطر "الإرهاب الإسلامي"، تحضّر أميركا لمواجهة التهديد الصيني.

في ربيع هذا العام، صرح الرئيس الأميركي، جو بايدن، للإعلام الأميركي، بأن الصين تسعى إلى أن تقود العالم، وتصبح أغنى وأقوى دولة فيه، وأنه لن يسمح لها بأن تحقق هدفها، لأن أميركا ستنمو وتتمدّد. ووضع بايدن هذه المنافسة في إطار صراع أيديولوجي بين الديمقراطية والاستبداد، قد تستيقظ معه شياطين الحرب الباردة. وبما أنه لكل حرب تحالفاتها، فقد سَعى الرئيس بايدن في جولته الخارجية الأولى إلى بناء "تحالف ديمقراطي"، لاحتواء خطر يبدو صينيا بالأساس، وروسيا على نحو ثانوي. وكان من الطبيعي أن يعرج على قمة حلف الناتو في بروكسيل، قبل أن يشارك في قمة الدول الصناعية السبع الكبرى في بريطانيا من 11 إلى 13 يونيو/ حزيران الجاري. في بيانها الختامي، طالبت القمة الصين باحترام حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية، خصوصا في إقليم شينجيانغ وهونغ كونغ، ودعت روسيا إلى احترام حقوق الإنسان أيضا، ووقف تدخلاتها وباقي "أنشطتها المزعزعة للاستقرار"، وأشار بايدن، من جهته، إلى أن القوى الديمقراطية تخوض "منافسة مع تلك "الاستبدادية".

لقد عادت أميركا إلى ثنائياتها، لتقدم المنافسة الاستراتيجية التي تربطها بالصين، وجها جديدا لصراع أيديولوجي بين الديمقراطيين الأخيار والمستبدّين الأشرار. وينهل بايدن مباشرة من رؤيةٍ بلورها تقرير أصدرته مؤسسة "المجلس الأطلسي" البحثية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعنوان "الربط بين القيم والاستراتيجيات: كيف يمكن للديمقراطيات وقف تقدّم الاستبداد". ووضع المجلس منذ 2014 استراتيجية تحالف "الديمقراطيات العشر"، المعروفة اختصارا، د - 10، من أجل محاصرة الصين من مجالها الحيوي، من الشرق إلى الغرب. ويضم مشروع هذا الحلف، بالإضافة إلى أميركا، كلاّ من بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، اليابان، كندا، إيطاليا، الهند، أستراليا وكوريا الجنوبية.

كثيرة هي أوجه تشوهات الديمقراطية في عقر دارها، ويصعب تحميل الصين أو روسيا مسؤولية صعود تيارات يمينية شعبوية قوّضت الديمقراطية في عدد من البلدان

من أهم تناقضات هذه الجبهة الديمقراطية، التي لم يتم بعد الإعلان عن تأسيسها رسميا، أنها لا تضم دولة واحدة من ديمقراطيات أوروبا الشمالية، مثل النرويج والسويد أو أيسلندا التي تتربع على قمة "الديمقراطيات الكاملة"، حسب تصنيف وحدة الاستخبارات الاقتصادية في صحيفة الإيكونومست "مؤشّر الديمقراطية". ومن غرائبها أيضا أن تتزعمها أميركا التي تتراجع فيها الديمقراطية وتتآكل، سنة تلو الأخرى، إلى أن دخلت البلاد خانة "الديمقراطيات المعيبة"، إلى جانب فرنسا وإيطاليا والهند، وفق تقرير المؤشّر ذاته للعام 2020. ورافق هذا التدهور اهتزاز صورة الديمقراطية الأميركية في الخارج. هذا ما أكّدته نتائج استطلاع رأي عن صورة أميركا عبر العالم أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث في 12 دولة ديمقراطية، وأعلنت عن نتائجه يوم 10 يونيو/ حزيران الجاري، إذ اعتبر 57٪ من المشاركين أن أميركا لم تعد نموذجا جيدا للديمقراطية، في حين يرى 23٪ من المستطلَعين أن الديمقراطية الأميركية لم تمثّل يوما نموذجا جيدا على الإطلاق.

ومن مفارقات نادي الديمقراطيات العشر أن يستقوي أيضا بديمقراطية الهند المتأزّمة منذ صعود الشوفينية الهندوسية في عهد رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، إلى درجة أنه، للمرة الأولى منذ أواخر التسعينيات، خفّضت منظمة "فريدم هاوس" الأميركية مرتبة الهند من دولة "حرّة" إلى "حرّة جزئيا". واضطر أيضا "معهد أنواع الديمقراطية" السويدي (V-Dem)، أن يراجع تصنيف الهند من "ديمقراطية انتخابية" إلى نظام "سلطوى إنتخابي". والغريب في موقف أميركا وحلفائها أنهم يندّدون بالصين وبالسياسات التعسفية والقسرية التي يمارسها الحزب الشيوعي (الحاكم) ضد مسلمي الأويغور، ويلزمون الصمت حيال تفاقم اضطهاد حليفهم الديمقراطي في الهند المسلمين.

أما في فرنسا، حيث ترتكز الديمقراطية النيابية على مبدأ تمثيل الأغلبية، فإن تراجعها الديمقراطي يتجلّى في عزوف المواطنين عن الانخراط في العملية السياسية، وفي مقدمتها الانتخابات. لأول مرة في تاريخ فرنسا، بلغت نسبة الناخبين العازفين عن التصويت في الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية للعام 2017، نسبة 57.4٪. ونظرا إلى نسف الأحزاب التقليدية منذ انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسا للبلاد، لم يحصل حزبه، حركة الجمهورية إلى الأمام، إلا على نسبة 32٪ من الأصوات، لكنه حاز على أغلبية مطلقة في البرلمان الفرنسي الذي أصبح ينعت "برلمان الحزب الواحد". وفي الانتخابات البلدية للسنة الماضية، ناهزت نسبة الممتنعين عن التصويت 60٪ في الدور الثاني، وهي أعلى نسبة سجّلتها الانتخابات البلدية على الإطلاق؛ عزوف يعبر عن غضب الناخبين من نخب سياسية لم تعد تستجيب لمطالبهم، وأصبحت تخضع لإملاءات المفوضية الأوروبية، والبنوك المركزية، والشركات متعدّدة الجنسيات، ومؤسسات بريتون وودز، وغيرهم من صنّاع القرار وواضعي السياسات.

عادت أميركا لتقدم المنافسة الاستراتيجية التي تربطها بالصين، وجها جديداً لصراع أيديولوجي بين الديمقراطيين الأخيار والمستبدّين الأشرار

كثيرة هي أوجه تشوهات الديمقراطية في عقر دارها، ويصعب تحميل الصين أو روسيا مسؤولية صعود تيارات يمينية شعبوية قوّضت الديمقراطية في كل من الولايات المتحدة وإيطاليا والنمسا والمجر أو الهند. بل إن المستقرئ للعلاقة السببية بين تراجع الديمقراطيات الغربية وتصاعد الأنظمة الشمولية عبر العالم، لا بد أن يستحضر حركة المدّ والجزر بينهما: جزْر الديمقراطيات الغربية ومدّ الأنظمة السلطوية والشمولية. لقد تقوّت الأخيرة بالتزامن مع استمرار انكماش الأولى للعام الـ 15 على التوالي، حسب تقرير "الحرية عبر العالم" للعام 2021، الصادر عن منظمة فريدم هاوس الأميركية.

يبدو من طبيعة نادي "الديمقراطيات العشر" المتكون من الدول السبع الصناعية، بالإضافة إلى الهند وأستراليا وكوريا الجنوبية، أن ما يجمع هذه البلدان هو ليبراليةٌ رأسماليتها أكثر من ليبرالية ديمقراطياتها. والأرجح أن أميركا والصين مُقبلتان على ما يسميه الخبير الاقتصادي، برانكو ميلانوفيتش، "صراع الرأسماليات" (clash of capitalisms)، أي معركة تدور داخل الرأسمالية بين "معسكر الجدارة الليبرالي"، وتقوده أميركا والديمقراطيات الصناعية المتقدمة، و"معسكر الرأسمالية السياسية" الذي تتزعّمه الصين. وبينما يركز نظام المعسكر الأول الغالبية العظمى من الإنتاج في القطاع الخاص والنخب الثرية المُحرّكة للعولمة، يتميز نظام المعسكر الثاني بارتفاع النمو الاقتصادي في ظل رأسمالية الدولة، أو بالأحرى الدولة الرأسمالية اقتصاديا والشيوعية سياسيا، على حد توصيف الخبراء.

على الرغم من ضلوع أبوظبي في الحرب اليمنية، لم تجد إدارة بايدن حرجاً في إتمام صفقة أسلحة للإمارات، وقعها الرئيس ترامب

ويوضّح ميلانوفيتش أن ارتفاع معدلات نمو الصين ونجاحها الاقتصادي أهّلها لمحاولة بسط نفوذها عبر العالم، وتصدير نموذجها الرأسمالي الذي قد يحل محلّ النموذج الغربي في دول عديدة، وتعتمد في ذلك على تمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة، تَوَّجتها "مبادرة الحزام والطريق" التي ضخّت فيها أزيد من تريليون دولار. وتسعى الصين، من خلال هذا المشروع، إلى ربط عدة قارّات عبر بناء طرق وسكك حديدية ومرافئ بتمويلٍ على شكل قروض غير مقرونة بالشروط "الإصلاحية" التي يفرضها الاستثمار الغربي، ما جعل النموذج الصيني أكثر جاذبيةً بالنسبة لعدد من الدول النامية. لكن قمة مجموعة السبع، أخيرا، اتفقت على ضرورة بلورة إستراتيجية طويلة الأمد، تتصدّى للنفوذ الصيني، عبر شراكة تكون "أكثر إنصافا بكثير" من "مبادرة الحزام والطريق"، وروّجت، بشكل خاص، مشروع تطوير البُنى التحتية في الدول النامية، أطلق عليه "إعادة بناء العالم بشكل أفضل".

ويعِد بايدن العالم بشراكةٍ شفّافةٍ تحرّكها قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لكن أولى اختبارات هذه الوعود على أرض الواقع لا تبشّر بتغيير ملحوظ في سياسات واشنطن الخارجية، بدءا بصفقات بيع السلاح. وعلى الرغم من ضلوع أبوظبي في الحرب في اليمن، لم تجد إدارته حرجا في إتمام صفقة أسلحة للإمارات، كان قد وقعها الرئيس السابق دونالد ترامب، وتفوق قيمتها 23 مليار دولار، ولم تستحضر أيضا حق الفلسطينيين في الحياة عند موافقتها على صفقة لبيع إسرائيل أسلحة الدمار بقيمة 735 مليون دولار. ولا خوف على أميركا من منافسة الأنظمة المستبدّة في تجارة السلاح، فلقد حققت واشنطن 37٪ من مجموع مبيعات الأسلحة خلال السنوات الأربع الماضية، أي حوالي ضعف مبيعات روسيا، وستة أضعاف الصين، حسب تقرير لمعهد إستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أصدره أخيرا.

من شأن هذه المفارقات أن تجعل أميركا وحلفاءها عرضة لمزيد من الاتهامات بالكذب وعدم التزامها بالقانون الدولي والحقوق والحريات. بل قد يعرّض إصرار إدارة بايدن على إدخال "صراع الرأسماليات" في قالب أيديولوجي، الديمقراطية ذاتها لخطر نفور الشعوب منها، بدلا من اعتناقها وتطويرها.