عن "أوغاد" التطبيع في بلادنا

11 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

كتب فهمي جدعان، في 18 مايو/ أيار 2018، مقالاً في "العربي الجديد" عنونه "الأوغاد"، لوصف نفر من المثقفين العرب الذين يتهمون الفلسطينيين بالتفريط في أرضهم وقضيتهم، مثل المصري يوسف زيدان والسعودي تركي الحمد. وأحسب لو أن أستاذنا جدعان عاد وكتب مقاله الآن لأضاف إليهما قائمة جديدة من الأوغاد الذين يخرجون علينا الآن بوجوه مكشوفة، ليس فقط باتهامات ورطانة فارغة المعنى حول القضية الفلسطينية، وإنما للترويج الفجّ والساقط للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

"أوغاد التطبيع" يملأون الساحة العربية الآن صراخاً وتبريراً للعلاقة مع إسرائيل، منهم رجال دين وكتّاب وباحثون وإعلاميون وصحافيون ومثقفون يدّعون الحكمة بأثر رجعي، ويرون في العلاقة مع تل أبيب أمراً طبيعياً في ظل "فشل الفلسطينيين في حل قضيتهم"، حسب قولهم. وليتهم وقفوا عند ذلك الحد، وإنما يهاجمون كل من ينتقد خطابهم، ويفضح هرولتهم باتجاه الكيان الصهيوني الذي أصبح، بين عشية وضحاها، "نموذجاً" للتقدم العلمي والتكنولوجي والسياسي يجب أن يُحتذى. تماماً مثلما أشار مقال صاحب هذه السطور في "العربي الجديد" الأسبوع الماضي (4/10/2020) عن نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي تحدث بفجاجةٍ عن التطبيع مع إسرائيل، واعتبره حتمياً، ليس لأحد الاعتراض عليه أو رفضه. وقد سمعنا في الأيام الماضية عن الشروط الـ 47 التي وجدها الوفد السوداني الذي سافر إلى أبوظبي للتفاوض مع الأميركيين بشأن رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، ومنها التطبيع مع إسرائيل، وتوطين ملايين اللاجئين الفلسطينيين في السودان، ومنح الولايات المتحدة قاعدة عسكرية على أراضيه، ونقل قيادة القاعدة العسكرية الأميركية (أفريكوم) إلى السودان، وغيرها من المطالب والشروط. 

القضية الفلسطينية عادلة لذاتها، وناصعة لذاتها، وستظل كذلك، ولو طبّع أهل الأرض جميعاً

أما المنضمّ حديثاً إلى تلك القائمة، وقطعاً لن يكون آخرهم، فهو السفير السعودي السابق لدى أميركا أكثر من عقدين، والأمين العام السابق لمجلس الأمن الوطني السعودي، بندر بن سلطان، والذي خرج، قبل أيام، في حلقات مصوّرة على قناة العربية، يهاجم الفلسطينيين ويتهم قادتهم بتضييع القضية الفلسطينية. وهو يعزف على اللحن نفسه الذي يعزف عليه الآن ساسةٌ وكتّابٌ وإعلاميون إماراتيون وسعوديون كثيرون من أجل تبرير هرولتهم باتجاه التطبيع مع إسرائيل. ولو أن الكلام قد جاء من شخصٍ آخر غير الأمير بندر لكان مقبولاً شكلاً، وإنْ لم يكن مضمونا، ولكنه أتى ممن لديه تاريخ حافل بالكوارث السياسية والشخصية، سواء تورّطه في "صفقة اليمامة" منتصف الثمانينيات، والتي يُشاع أنه حصل منها على عمولة مالية تقدّر بحوالي ملياري دولار بأسعار الثمانينيات، مكّنته، من بين أمور أخرى، من بناء بيتٍ فاخرٍ في مدينة أسبن في ولاية كولورادو الأميركية أوائل التسعينيات، على مساحة خمسة آلاف ومئتي متر مربع، أي أكبر من مساحة البيت الأبيض التي تبلغ خمسة آلاف متر مربع، وقد بلغت تكلفته عند بيعه عام 2007 حوالي 135 مليون دولار، أو في علاقته المشبوهة بكثيرين من الساسة الأميركيين طوال فترة عمله في الولايات المتحدة. ومن يرغب في المزيد عن سجلّ بندر عليه فقط أن يقرأ كتاب بروس ريدل، الباحث في معهد بروكينغز الذي صدر قبل عامين، بعنوان "ملوك ورؤساء"، وقد ورد اسم بندر فيه أكثر من 150 مرة. وقد كان بروس وزوجته صديقين مقربَين لبندر وزوجته الأميرة هيفاء بنت فيصل عقودا. ومن جديد ما سمعناه عن بندر تعاطيه المخدّرات (الكوكايين) عندما كان سفيراً للسعودية في أميركا، بحسب ما تدّعي الكاتبة الأميركية وعميلة المخابرات الأميركية السابقة، كاثي أوبراين، في كتابها "تحولات أميركا" الصادر عام 1995. 

لم يأت بندر، ودراويشه، بجديد، خصوصا حجّتهم الممجوجة عن "تفريط الفلسطينيين في أرضهم وحقوقهم"، فهو كلام قديم جديد، مللنا سماعه على مدار العقود الماضية

ولم يكن مفاجئاً أن تلتقط كلام بندر كتيبة الإعلاميين السعوديين الذين ترعرعوا في الحضن الإماراتي الدافئ، واعتبروه "فصل القول" و"ضربة معلّم" كما علّق أحدهم. وفي الحقيقة، لم يأت بندر، ودراويشه، بجديد، خصوصا حجّتهم الممجوجة عن "تفريط الفلسطينيين في أرضهم وحقوقهم"، فهو كلام قديم جديد، مللنا سماعه على مدار العقود الماضية. أما مناسبته الآن فواضحة جليّة، وهي "جسّ النبض" وتمهيد الأرض للتطبيع السعودي مع تل أبيب. وما كان لبندر، أو لغيره، أن يتحدّث بهذه الطريقة الركيكة غير اللائقة، وهو الدبلوماسي المخضرم، لولا أنه حصل على ضوء أخضر من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي سوف يفعل المستحيل من أجل أن يتم تنصيبه ملكاً للسعودية. 

قطعاً، من حق حميدتي وبندر وبن سلمان، وغيرهم من ساسة العرب، أن يطبّعوا كما يشاءون مع الصهاينة، وأن يسلّموا أنفسهم لنتنياهو وغيره من قادة الاحتلال كما يرغبون، لكن من دون أن يلعنوا الفلسطينيين وقضيتهم وكأنهم يتطهرون من إثم عظيم! كما أن عليهم، وعلى إعلامييّهم ومثقفيهم، أن يتحلوا بقدرٍ من الرجولة والشجاعة، ويعلنوا تطبيعهم على الملأ من دون مقدّمات ركيكة وأعذار واهية، ومن دون أن تسبقه حاشية الهجوم والنقد لمن يختلف معهم، أو يرفض موقفهم. 

فكما قلنا في مرّات سابقة ونكرّره هنا: لن يضير القضية الفلسطينية تطبيع هذا البلد أو ذاك، ولن ينتقص كلام حميدتي أو بندر، ومن دار في فلكهما، من عدالتها ونصاعتها شيئاً، فالقضية الفلسطينية عادلة لذاتها، وناصعة لذاتها، وستظل كذلك، ولو طبّع أهل الأرض جميعاً مع الكيان الصهيوني.