عنفٌ مترامي الأطراف في لبنان

عنفٌ مترامي الأطراف في لبنان

28 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

لا حدود للعنف الذي يتكبّده اللبنانيون. ولا نوع واحداً من العنف. ولا وقت محدّداً له. جمعٌ من العنف تتضافر أطرافه، بحشدٍ واحد. لا ينتبه له ضحاياه، لشدّة كثافته، وتشابك خطوطه، وسرعة حركته. وأنتَ تحاول التقاط تنوّع هذا العنف، وتلاحق حدوده، تشعر بضعف عقلك، وفقر خيالك. كأنكَ متشرّد في الفضاء، وسط مجرّاتٍ مجهولة، تتساءل عن الحدود التي يقف عندها الكون.

العنف الطبقي أولاً: ليس الموضوع أنّك فقيرٌ قديم، متمرّس، تعرف كيف تضبط فقركَ، أو تتحايل عليه .. بما لا يميتكَ من الجوع. أو أنك فقيرٌ جديد، استقرّ، بعد مكابرة، على مستوى حياتي أدنى، تتدرّب على كيفية التعامل معه. بالمساعدة أو من دونها. لستَ انتَ من بين هؤلاء، ويا ليتكَ كنتَ!

الواقع أنكَ فقير جديد ومتجدّد، رماكَ الفالحون من حكامكَ في دوامةٍ نازلةٍ إلى تحت بسرعة مخيفة. انطلقت الدوّامة بسرقة المصارف مدّخراتك. فاشتعلت أجنحتها، نحو تحت .. ثم تحت. كالبرق، بلا توقف، مثل إعصارٍ في ذروة انطلاقته.

جمعٌ من العنف تتضافر أطرافه، بحشدٍ واحد. لا ينتبه له ضحاياه، لشدّة كثافته، وتشابك خطوطه، وسرعة حركته

عليكَ بمقارنةٍ بسيطة: أجواء "الأغنياء جداً" في أحد مقاهي منطقة فردان "الراقية". وأجواء قريبة، لا تبتعد عنها بكيلومتر ونصف، في قلب منطقة عائشة بكّار الشعبية. في الأولى، يتغير هندام الرواد عما قبل الأزمة. صاروا يبالغون بشياكتهم، وبأثمان التشقير والنفخ والحِقَن البوتوكسية. يبالغون أيضاً بالطلبيات، يأكلون ويشربون بما لا يقوى عليه أي مواطن ليس "غنيا جداً". لا أولاد هنا، لا زحْمة، ولا شحاذون، وشيء من "التباعُد الاجتماعي". وإحساسٌ فائضٌ بالانتماء إلى نخبةٍ ضيقة، سعيدة و"ذكية"، تعرف كيف تجلب النعمة من فم السبع. وأهم ما تعتز به الآن هو خلوّ المقهى من رواد الطبقة الوسطى، غير "الأغنياء جداً".

في المنطقة الثانية، عائشة بكّار: الأولاد يملؤون المكان، يختلطون بالشحاذين وسط الزحمة الهائلة. الوجوه كلها مستسلمةٌ لقدرها. العيون زائغة. ضائعة. والأجساد متكئةُ على بعضها، كأنها تحتمي من هبوب الرياح التحتانية، من دورةٍ جديدةٍ من دورات الإعصار. بعض الأولاد من غير الشحاذين يشتغلون. يبيعون الخضار، يزِنونها، يحسبون الألوف من الليرات. ولا تتحدّث هنا عن الهندام. إنّه كيفما اتفق .. في محل الفلافل الذي أصبح الخيار الأخير للبقاء على قيد الحياة، المسنود بسمعته "أطيب فلافل في كلّ بيروت"... والذي قد ينقرض، هو الآخر، كما حصل لغيره .. في هذا المحل، إذاً، حشدٌ من الجائعين. "المقتدرون" منهم ينتظرون لقمة الظهيرة، وثمنها عشرون ألف ليرة، أرخص من فنجان قهوة عند المحظوظين من روّاد المقهى الراقي في فردان، القريبة. أما فقراء الفقراء، من الأطفال خصوصاً، فلهم نظراتهم الراجية، بأن يتكرّم عليهم أحد "المقتدرين" بسندويشة فلافل.

العنف ضد الأطفال، ضد التعليم: وهو موزّع بأنصِبةٍ غير متساوية بينهم

العنف ضد الأطفال، ضد التعليم: وهو موزّع بأنصِبةٍ غير متساوية بينهم. الأقلية منهم يتمتّعون بالابتعاد عن لبنان. الأكثر عدداً منهم يتلقون التعليم "الخاص". وقد تسرّبت له التفْليسة، بدرجاتٍ متفاوتة. وكلها أضرّت بنوعية التعليم وكميته. لكن الغالبية العظمى، الفقيرة أصلا، أو المفقرة حديثاً، صار أبناؤها في عِداد تلاميذ المدارس الرسمية المجانية. وهم بذلك محظوظون قياساً إلى الأفقر منهم، الممنوعين أصلا من المدرسة، لأنهم يشتغلون، يعينون أهلهم. لكن المدرسة المجانية لم تفتح. وقد لا تفتح أبداً. وأولاد الفقراء يهيمون على وجوههم... وأنت تمشي في شوارع بيروت، حيث يتداخل الحي "الراقي" مع الفقير، سوف تجدهم محمَّلين بأكياسٍ ضخمة، سوف يملأونها بما تيسّر لهم من حاويات القمامة. أو أطفال يكنسون الشوارع، ويهرعون عند أول سيارةٍ طلباً لما يعتبرونه أجرتهم .. غير الأطفال الذين يبيعون عُلب المناديل الورقية، أو السجائر، أو قناني المياه. ويعرضون خدماتهم، أو بكل بساطةٍ، يشحذون.

العنف المباشر ضد الحياة بحد ذاتها. بغياب الكهرباء والماء والدواء (أدوية السرطان والضغط والسكري)، وخلو المستشفيات والعيادات من المرضى. كهرباء .. ماء .. طبيب .. مستشفى .. دواء .. هذه ليست مجرّد كلمات. إنّها تتكلم عن عنفٍ متناهي الصغر "مايكرو عنف". عن عنف التكاليف المالية لهذا الغياب، وأسعار بدائلهما، الصاعدة دوماً. وعنف المرشّح للانتخابات (مبدئيا) بـ"خدماته" الرخيصة، لكن الحيوية، والتي تكلّفه ملاليم. وعنف الشقاء والشلَل والعجز. والسؤال الذي يزنّ طوال النهار: ماذا عن مصيبةٍ جديدةٍ يأتي بها الفجر أو الغروب؟

عنف ضد الحياة، ملحق: من دون كهرباء، والظلام في الخارج، ومن دون بنزين لتتحرّك، تقول لنفسكَ: أقعد في البيت، أحيي حياتي الاجتماعية عبر الاتصالات. لكنّ خطوط الإنترنت تذوب يوماً بعد آخر. تتقطّع، تتشتّت، وتفصل غالباً. والخطوط "المدفوعة" والأخرى "الثابتة" مرتبِكة، مشوّشة. ما يردعكَ عن متعة الحديث، فتتخلّي عنه، وتغرق في سوادٍ آخر. في الصمت والوَحْشة.

اليقظة واجبةٌ تجاه الأقنعة البريئة التي يتقدّم بها العنف بغفلةٍ منك، قبل أن يطعنك في صدركَ

الوشائج بين الناس، حين تنقطع، تجفّ العاطفة الأخروية، وتقسو القلوب التي لا تعود ترتاح لغير عنف أشدّ. انظر، كيف يتعامل اللبنانيون مع بعضهم، بشراسةٍ، بفلهويةٍ، بأشكالٍ من الألغام المستَحْدثة، عليهم دائماً أن يحْزروها، قبل أن تلْتهمهم.

العنف ضد كل الحواس. ضد الأنف، والروائح الثابتة والمتنقّلة، المبْثوثة في الفضاء. الثابتة مثلاً: على امتداد الجادّة الموصلة إلى المطار "الدولي"، أو الخارجة منه. حين تكون الرياح معتدلة، تنقضّ على أنفكَ، طوال هذه الطريق، روائح "مزرعة أبقار"، ومطْمر نفايات كوستا برافا الشهير... وهما الملاصقَان للمطار. لكن عندما تشتدّ الرياح، تخترق هذه الروائح ردهات المطار نفسه، لا يمكن النفاذ منها. تستقرّ في الأنف مدة طويلة.

العنف ضد الأذن أيضاً: فأنتَ حيثما تنقلت في شوارع العاصمة، تخرق أذنك أصوات مولّدات الكهرباء، لا مولد واحد.. هدير عميق، ينبعث منه دخان المازوت الأسود، يستوطن في أذنكَ ..

وعنف ضد العين. البشاعة المعمّمة، والتهلْهل، وأنصاف البنايات التي تسكنها عائلاتٌ فقيرةٌ أو نازحة. لا العمارات "الفخمة" تجدّدت، ولا الفقيرة. كأن البشاعة تأخذ بثأرها بعد سنواتٍ من الفتكْ بجمال المدينة .. كأنها لحظة حقيقةٍ مرّة، تتفوّق فيها البشاعة على الجمال. والأذى، على البهجة. ماذا يكون هذا كله، إن لم يكُن عنفاً؟

العنف ضد كرامتنا، ضد وقتنا. لا أتكلم فقط هنا عن الطوابير، الإذلال، عن إضاعة زمننا، شبابنا، كهولنا، على وقع هدير الإعصار. فلا ماضي ينفعنا. الإعصار أسقطه مثل البرق، وصارت بيننا وبينه سنواتٌ ضوئية. ولا حاضر المسكون بالارتعاشة والهلع وسقوط القلب من مكانه. يفاجئك يومياً بعقدةٍ جديدة، بحزّورة، بمصيبة. في الحاضر، الآن، عقلكَ يدور حول نفسه. أما المستقبل فلا ينقشع. مثل علبةٍ سوداء لن تكشف كل أسرارَها إلا بعد فوات الأوان. خبث هذا العنف سوف يطاول كل الأجيال، حتى التي لم تولد بعد.

الوشائج بين الناس، حين تنقطع، تجفّ العاطفة الأخروية، وتقسو القلوب التي لا تعود ترتاح لغير عنف أشدّ

المؤكّد أن تنوّع العنف، وفروعه المترامية، تزيد عما كتبتُ هنا، في هذه المقالة. واليقظة واجبةٌ في هذه الحالة، تجاه الأقنعة البريئة التي يتقدّم بها العنف بغفلةٍ منك، قبل أن يطعنك في صدركَ.

وابتغاء للحق، علينا إنصاف الحرب الأهلية، مقارنةً بإفلاسنا الوجودي اليوم. طوال السنوات الخمس عشرة من هذه الحرب، لم يكن أبناء الطبقة الوسطى، وقليلٌ من تحتهم، وكلّ الذين فوقهم، يعانون من أزمة اقتصادية. كان المال متوافرا. والدولة تدفع الرواتب لموظفيها، وتقوم بأقصى ما يمكنها من واجباتها. كانت ثمّة حدود، وإنْ مخترقة. برية، بحرية، جوية. تعطّلت أحيانا، وعادت إلى العمل. في الحرب الأهلية، لم تكن مشكلة الماء والكهرباء على هذه الدرجة من التعطيل. ولم تكن مولّدات الكهرباء قد عرفت طريقاً. كنا خارجين لتونا من "العصر الذهبي" اللبناني، وما نزال نتمتع بثمراته على عقولنا ومؤسّساتنا. وكان لدينا حنينٌ عارم للبنان ما قبل الحرب، وأمل لا يقلّ عنه حجماً: بأن تنتهي الحرب، ويعود لبنان كما كان .. أمل كبير. هل نقول اليوم إنّه تحقّق؟

هذه المقارنة ليست لتمجيد الحرب الأهلية، أو التغاضي عن أهوالها. إنّما للقول إنّ العنف الذي نتعرّض له، هو أفظع وأغنى من عنف الحرب الأهلية.